أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون القرآن الكريم معجزة خالدة ذات وجوه متعددة من الإعجاز لا نستطيع أن نحيط بها جميعها فهو بالإضافة إلى أنه معجزة في أسلوبه وبلاغته هو أيضاً معجزة سمعية وصوتية ، تحدث أثرها حتى على غير الناطقين باللغة العربية أو غير المسلمين .
وفي ذلك قصص وأحداث عدّة لعل أكثرها إثارة للانتباه وإبرازاً لهذا الإعجاز الإلهي هي قصص الذين أسلموا لسماعهم القرآن الكريم كتلك القصص التي كنا نقرأها عن إسلام عدد من غير المسلمين تأثراً لاستماعهم تلاوة كتاب الله من مشايخ القراء الكبار في أرض الكنانة كالشيخ محمد رفعت والشيخ محمود خليل الحصري والشيخ محمد صديق المنشاوي.
في البحرين ، وفي أثناء صلاة التراويح بمسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أحد الصروح الإسلامية البارزة في المنامة نسأل المولى عز وجل أن يجعله في ميزان حسنات من تحمل تكلفة بنائه ، وهم عائلة الكوهجي الكرام وأن يبارك الله فيما رزقهم ؛ كان الشيخ الفاضل خالد الشنو يُشنّف الآذان والأسماع بصوته الشجي وتلاوته للقرآن الكريم في صلاة التراويح فيبعث الراحة والسكون عبر الأثير ومن خلال المايكرفون لدى مستمعيه الذين كان منهم فتاتين فلبينيتين تعملان في أحد المحلات القريبة من المسجد فتستمران في الإنصات والإعجاب منذ بداية رمضان حتى قررتا في مساء يوم الجمعة الماضي بعد السؤال والاستفسار والاطلاع الذي استمر سنوات أن تنضويا في رحمة الإسلام وعظمته وتنطقان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أمام الشيخ خالد الشنو نفسه وتكبيرات جموع من المصلين بمسجد أبي بكر الصديق ، وتذكران قصة وأسباب إسلامهما ومنها تأثرهما بسماع القرآن وتشكران الله على ذلك . ويصبح اسم الأولى “مريم” والثانية ” دانه”
إن السماع والإنصات لعبارات القرآن الكريم كان يحدث حتى من قبل من كانت المجابهة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته على أشدّها ، إذ يروي التاريخ قصة ثلاثة من كبار زعماء قريش وهم : أبو سفيان بن حرب ، وأبو جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق حيث وجد كل واحد منهم جاذبية للقرآن في نفسه فرغب في استماعه، ثم خرج متخفياً تحت ستر ظلام الليل كي لا يراه أحد – فكل واحد منهم قد تزعم المعارضة لمحمد ودعوته ! فكيف سيكون حاله أمام الناس إذا عرفوا أنه يستمع للقرآن ؟! ثم اتجه كل واحد منهم نحو بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ليستمع قراءته للقرآن وهو يصلي ، فجلس كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل واحدِ منهم لا يعلم بما يفعله الآخران ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا اقترب الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ! وعرف كل منهم بما فعله صاحباه ! فلام بعضهم بعضاً ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ؛ فلوا رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ، ثم انصرفوا . فهل ياترى وقف الأمر عند هذا الحد ؟ لقد كان تأثير القرآن قوياً لدرجة أن الأمر نفسه تكرر منهم في الليلة التي تليها ، وكل واحدٍ منهم يظن أن لا أحد معه ، ثم يلتقون مرة أخرى في الطريق بعد سماعهم للقرآن ! ويتعاتبون فيما بينهم ، ويعقدون العزم على عدم العودة ، ثم تغلب قوة القرآن ما تواصوا به! ويتكرر الأمر مرة ثالثة !! وبعدها رأوا أنه لابد من أن يعاهد بعضهم بعضاً بعدم العودة إلى ذلك فتفرقوا. فلولم يكن القرآن معجزاً لما بهر خصومه ليتخذوا شتى السبل لسماعه !