شئنا أم أبينا فإن المؤكد أن حذاء منتظر الزيدي الذي ألقاء على الرئيس بوش قد انضم إلى سلسلة الأحذية التاريخية التي سيتم حفظها للأجيال القادمة . ويبدو أن هنالك أحذية تاريخية أخرى لاتنسى . منها – على سبيل المثال – حذاء غاندي الذي يحكى أنه كان يجري يوما ما للحاق بقطار, وقد بدأ القطار في السير, وعند صعود غاندي للقطار سقطت إحدى فردتي حذائه, فما كان منه إلا أن أسرع بخلع فردة حذائه الثانية ورماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار!! فتعجب أصدقاؤه وسألوه ما حملك على ما فعلت؟! لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟! فقال غاندي بكل حكمة:أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد الفردتين فينتفع بهما, فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده…
وكذلك حذاء رئيس الاتحاد السوفييتي نيكيتا خروتشوف أثناء إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في العام 1960 فانفعل وهو يلقي بكلماته التي تحمل تهديدا ورفضاً لعدد من الخطط والمشروعات كالأسلحة النووية ونقل مقر الأمم المتحدة ، وأنه انحنى حينها خلف المنصة فجأة أمام المحتشدين من رؤساء الدول الذين اعتقدوا لأول وهلة أنه أصيب بدوخة ، ولكن سرعان ما ظهر وهو يحمل فردة حذاءه وضرب بها على المنصة مرات عدة وهو يوجه تحذيره إلى الدول المعتدية وعندما غادر المنصة ترك حذاءه عليها، فدخل ذلك الحذاء التاريخ.
ومنها حذاء أبو القاسم الطنبوري الذي كان تاجراً من أهل بغداد ، وكان ثرياً وفي الوقت نفسه بخيلا، وكان من بخله أنه كلما انقطع من حذائه مكان وضع فيه رقعة من جلد أو قماش , حتى أصبح الحذاء عبارة عن مجموعة من الرقع يمسك بعضها بعضاً ، واشتهر في بغداد كافة وعرف الجميعُ حذاءَ الطنبوري.فلما عابه بعض أصحابه وأصرّوا عليه أن يتخلص من حذائه ؛ قرر التخلص منه لكنه في كل مرة يتخلص منه يعود له الحذاء نفسه بمشكلة حتى قضت مشكلات حذائه على جزء كبير من ثروته وسلامته وسطرت قصـته كتب الأدب العربي في رائعة معروفــة بـ ( حذاء الطنبوري ) .
على أنه يجدر بنا أن نستحضر – مادمنا نتكلم عن الأحذية التاريخية وعلاقتها بالسلطان والطواغيت – قصة الأحذية التي كان يُضرب بها النمرود . وهي من قصص القرآن الكريم الكثيرة التي خاطبنا المولى عز وجل عنها في قوله تعالى ” إن في ذلك لعبرة “
فالنمرود : هو ملك بابل العراق ، وأحد أكبر طغاة وجبابرة الزمان ، اسمه النمرود بن كوش ( وليس بوش ) بن سام بن نبي الله نوح عليه السلام ادّعى لنفسه الربوبية، وأمر الناس بالسجود له وعبادته من دون الله الخالق عز وجل . ولما سمع هذا “النمرود” عن نبينا “إبراهيم” عليه السلام الذي دعا قومه لعبادة الله الخالق، ولكنهم رفضوا وأصروا على عبادة الأصنام، فما كان من “إبراهيم” عليه السلام إلا أنه حطم أصنامهم باستثناء كبيرهم؛ ليثبت لهم أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، وأنها مجرد حجارة لا حول لها ولا قوة . فأعد قومه النار ليحرقوه فيها جزاء ما فعله بآلهتهم، وتعجب النمرود كيف نجا “إبراهيم” من النار التي أعدها قومه لتحرقه فنجاه الله بأمره.
لذلك أراد “النمرود” مناظرة “إبراهيم” عليه السلام ومجادلته في أمر ربه. قال تعالى : ” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”
فسأله النمرود:ماذا يفعل ربك هذا؟ قال إبراهيم عليه السلام: ربي يحيي ويميت.
قال النمرود: وأنا أحيي وأميت. وأمر حراسه بإحضار مسجونين محكوم عليهما بالموت، فأطلق سراح أحدهما، وأمر بإعدام الآخر متصوراً أنه بفعله هذا قد أحيى وأمات ! فقال له إبراهيم: إن كنت صادقاً، فأحْي الذي قتلته . فلم يستطع.
قال النمرود : ماذا يفعل ربك أيضاً؟ قال إبراهيم عليه السلام: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.. فإنه في صباح كلّ يوم تطلع الشمس من المشرق، وذلك من صنع الله تعالى ، فإن كنت أنت إلهاً، فاعكس الأمر، وائتِ بالشمس من طرف المغرب “فبهت الذي كفر” ومع ذلك لم يرجع “النمرود” عن كفره وجهله وادعائه الربوبية وتسخير الناس لعبادته حتى سلط الله تبارك وتعالى عليه وعلى جيشه جيش من الحشرات والناموس أكلت أجسامهم وشربت دمائهم.
أما “النمرود” فأرسل له الله جندياً من أصغر جنوده، ذبابة دخلت إلى رأسه عن طريق أنفه، فكانت تزن في رأسه لا تسكت ولا تهدأ حتى يقوم من حوله بضربه بالنعال والأحذية على وجهه ورأسه.. وظل يعاني منها جزاء من الله وعقابا حتى مات ذليلاً من كثرة الضرب على رأسه بالأحذية ..