يُحكى في تاريخنا الإسلامي العظيم عن العدالة والنزاهة و( النظافة) أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز كان في إحدى الليالي يستقبل أحد عماله وموظفيه ، وكانوا يتداولون في الأمور العامة وشؤون الرعية وحين بدأ الحديث في الشأن الخاص عن الصحة والأولاد قام عمر فأطفأ السراج وأشعل شمعة صغيرة تصنع من الدهن فسأله محدثه عن ذلك العمل لعله يجد تفسيراً لذلك؟ فقال له : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز لم ينقص أمري من شيء، ولكن حين كان الحديث عاماً كنت أستنير من أموال بيت المسلمين بالسراج وعندما أصبح الحديث خاصاً فيجب أن استنير من مالي الخاص.
وبالطبع قد لا نطمح أن نصل إلى تلك ( المواصيل ) والمستويات الراقية في النزاهة والمحافظة على المال العام لكننا لابد أن نأسف كثيراً حينما تتناهى الآن إلى أسماعنا مفردات وألفاظ لصفات وسلوكيات طبيعية ومفترضة في عموم الناس وكأنها قد صارت استثناء ، أو مدعاة للمديح وزيادة الإطراء ، وكأنما عكسها هو الدارج والمنتشر في حياتنا ! وصرنا بالتالي نسمع مثلاً كلمة ” نزيه ” كصفة في معرض توصيفنا لوزير أو وكيل أو مدير أو مسؤول أو … إلخ ، وليست كنظام عام ، أو شأن أخلاقي طبيعي نفترض توافره ابتداء في هذه الشخوص من الأصل دونما حاجة لذكره وامتداحه.
ولعلّ السبب في ذلك هو أن “الفاسد” أصبح هو الدارج والمتعارف عليه، وأصبح النزيه هو المستثنى الذي يستحق الإشادة والكتابة عنه ومدحه وربما نُفرد له أشعاراً وقصائد . وانظروا إن شئتم إلى علامات الإعجاب والإطراء التي صاحبت حادثة إبلاغ وزير البلديات والزراعة سعادة الدكتور جمعة الكعبي النيابة العامة عن من حاول رشوته وكيف أن سعادته قد أقدم على فعل بات غريباً في مجتمعنا لم يفعله غيره خاصة ممن يتبوؤون من أمثال مركزه وسابقيه رغم أن ما قام به هو الفعل الطبيعي المفترض الذي لايحتاج إلى ذكره والتوقف عنده لولا أنه أصبح فعلاً منسوخاً ومنسياً أمام سيل واسع ومتنوع من الأعمال المخلّة بالنزاهة .
في الحقيقة من كثرة ما نسمع من قصص أو حكايات أو إشاعات نخشى ألاّ تبقى النزاهة مجرّد استثناء نشيد بها كلّما وجدناها ، بل إنها صارت مهدّدة بالانقراض وتحتاج إلى حماية ورعاية صادقة تكسبها القوّة وتمدّها بالاستمرار وتعينها على الصمود أمام الضغوط والإغراءات ، وقبل ذلك هناك حاجة ماسّة لنشر أخبار المفسدين وفضحهم ومعاقبتهم ومحاكمتهم ، على أن يشمل ذلك الكبار ولا يكتفى بالصغار فذلك أدعى للحزم والاعتبار .
ولابد لي أيضاً هنا أن أشيد – كغيري من الناس – بالدكتور جمعة الكعبي الذي نتمنى أن يكون قد أحيى قيمة أخلاقية ومجتمعية نخشى أن نقول أنها كادت أن تموت .