ميري .. هو اسم خادمة أثيوبية استقدمتها إحدى الأسر البحرينية في عام 2004م أي قبل حوالي أكثر من أربع سنوات لمساعدة الأم في تدبير شؤون المنزل من نظافة وطبخ وما إلى ذلك من أمور كانت تقوم بها ( ميري ) دون كلل أو ملل ، لم تر منها ربّة البيت أية مشاكل تُذكر ولم تساورها نحو خادمتها أية ظنون وهواجس . غير أن ربة البيت تفاجأت في صباح أحد الأيام باختفاء خادمتها وهروبها من المنزل بعد فترة سبعة أشهر من قدومها لتبدأ هذه العائلة رحلة معاناة أخرى تعيش مثلها العديد من الأسر البحرينية دون أن يكون لها حلّ في المنظور القريب ، ودونما اهتمام جدّي بمعالجة هذه الظاهرة التي يبدو أنها آخذة في التفاقم والاستفحال حيث تتحدث بعض الإحصائيات عن آلاف وربما عشرات الآلاف من العمال الأجانب الهاربين في البحرين ، بما فيهم خدم المنازل ، وإذا صحّ هذا الرقم فإن الأمر يكون في غاية الغرابة أن يتواجد هذا العدد الكبير من الهاربين في جزيرة صغيرة كالبحرين ذات كثافة سكانية عالية في بعض مناطقها بينما أجزاء كبيرة منها غير مأهولة.
ولأن مسألة الهروب صارت أمراً عادياً ومألوفاً فإن إجراءات التبليغ عنها أيضاً هي باردة ولاتحرّك ساكناً لدى السلطات المختصة بحيث لا يتعدّى الإجراء سوى تحرير ورقة فيها بلاغ الهروب وفقط . على أن كفيل الخادمة ( ميري ) لايستطيع الحصول على تأشيرة جديدة لاستقدام خادمة بديلة إلا بدفع مبلغ تأمين يتجاوز (200) دينار يتم تخصيصه لسفر الخادمة الهاربة التي لاتزال على كفالته رغم هروبها ، وذلك متى تم العثور عليها أو رجوعها أو القبض عليها في أماكن – في الغالب – باتت معروفة بأنها إحدى أهم وأكبر مقومات الجذب السياحي عندنا ، في المناهل والبارات والحانات ( أعزّكم الله).
في الأسبوع الماضي تلقت ربة البيت اتصالاً هاتفياً من إحدى السلطات المختصة يفيد بأنه تم القبض على خادمتهم الهاربة منذ أربع سنوات ( ميري ) في منطقة القضيبية وأنه يُرجى إحضار جواز سفرها حتى يتم تسفيرها ، وبالمناسبة لن تدفعوا قيمة تذكرتها لأن هنالك من تكفل بتحمّلها من أصدقائها ومعارفها ! وبالفعل سلّمت ربة البيت الجواز وعلى متن الطائر الميمون سافرت ( ميري) إلى بلدها بعد خدمة امتدت إلى أكثر من أربع سنوات في ربوع البحرين ، قضتها هاربة من دون خوف من ملاحقات أو عقوبات ، محتمية في ظل عصابات الفري فيزا معززة مكرَمة طالما أنها في النهاية ستجد – إذا قرَرت السفر- في انتظارها تذكرة ومصاريف سفرها جاهزة ، ونقول لها إقامة سعيدة وسفراً ميموناً ، لم يُقل لها : أين كنتِ ؟ من هرّبكِ ؟ من آواكِ ، وماجزاؤه ؟ بينما كفيلها عاش هذه السنوات مغموماَ مهموماً بقهره وحسرته على ما صرفه لاستقدام هذا الخادم أو العامل أولاً وما غرمه عليه أيضاً لتأمين وضمان سفره بعد هروبه وما دفعه لجلب بديلاً عنه . هل هناك أغرب من ذلك ؟!
أحاول دائماً أن أصدق أن هروب ( ميري ) وأمثالها من العمالة الأجنبية الهاربة عملية غير منظمة ، إذ لا يوجد من يُسهّل لهم الهروب ، ولا يوجد من يأويهم ، ولا يوجد من يُوفر لهم أعمال بديلة ، ولا يوجد من يستغلهم و( يعلف عليهم ) ، ولا يوجد من يرشدهم ويوجههم . وتبعاً لذلك لا توجد حاجة جدية لملاحقتهم والقبض عليهم في أوكارهم ومآويهم ومعاقبتهم وحفظ حقوق الكفلاء وأموالهم .