نافذة الجمعة

يا عراق …عليك رحمة الله !

قد يحسن بنا أن نعرض اليوم – بتصرّف – بعد أن تمت الموافقة على الاتفاقية الأمنية مع العراق مقالة رائعة كتبها شيخنا الفاضل علي الطنطاوي رحمه الله بعنوان “ياغازي عليك رحمة الله ” وأذيعت من محطة الإذاعة العراقية يوم مات غازي . والمقصود هو الملك غازي بن فيصل بن الشريف حسين الهاشمي (1912 – 1939) وهو الإبن الوحيد للملك فيصل الأول ثاني ملوك العراق حكم من 1933 ولغاية 1939.. وقد عُرف حكمه بأنه ناهض النفوذ البريطاني في العراق واعتبره عقبة لبناء الدولة العراقية الفتية وتنميتها واعتبره المسؤول عن نهب ثرواته النفطية . نعرض جزءا من هذه المقالة ونُسقطها على ما يحدث وسيحدث في العراق حتى نعرف مكانة هذا البلد العريق في وطننا العربي والإسلامي . يقول شيخنا الطنطاوي في رائعته : عليك رحمة الله يا غازي الحبيب!

يا فخر الشباب ، يا من لم يمتّع بالشباب ! يا سيد العرب ، يا من روّع فقده العرب ! يا بدر العراق الآفل! يا أمل الشام الذاهب، يا دنيا من الفتوة والبطولة طوتها كف الموت….يا غازي، عليك رحمة الله . بالأمس استصرختك وأنت أملنا وملاذنا، وأنت عوننا على الدهر الظالم والعدو الغاشم ، أفأقوم اليوم لأرثيك يا أملنا ويا ملاذنا؟ أأقف على قبرك الطري مودعاً باكياً، وقد كنت أقف على بابك العالي مستغيثاً ومستصرخاً؟ أأخاطبك اليوم من وراء القبر وقد كنت بالأمس ملء الكون حياة وقوة وشباباً؟ ليتني ماعشت حتى أرى هذا اليوم ! ليت يدي ما طاوعتني حتى أكتب هذا المقال! ليتني ما بقيت حتى أرثيك يا غازي!

يا غازي : جلّ المصاب ومالنا فيه يدان! يا غازي: عظم الخطب وضاقت الحيلة. يا غازي : لو كان يفتدي ميت لفداك العرب بأنفسهم. ياغازي: قد فقدناك ، فعليك رحمة الله! أحين اشتدت المعضلة واستحكم الأمر، ورجوناك للخطب لا يرجى فيه إلا أنت؟ أحين تعلقت بك الآمال وأقبلت عليك القلوب، وغدوت حبيب الشعب المفدى؟ أحين تمّت بك الأفراح وكادت تتحقق بك المنى؟ اللهم لا اعتراض .. اللهم لقد حرمت كل شيخ منا ابنه، وكل فتى أخاه، وكل صبي أباه، حين أخذت سيدنا وحبيبنا وملكنا غازي.

يا غازي، أرفع رأسك ساعة وانظر إلى شعبك . إنه يحار ماذا يصنع ، فهو يسكت واجماً ، ثم يثور نادباً، ثم يستفزه الألم فيقرع الطبول ويرقص رقصة اليأس. إنه يحمل صورتك مجللة بالسواد فلا يراها أحد حتى يبكي، على أنهم حملوا صورتك في الأفئدة ونقشوها على صفحات النفوس ، فأنت من كل قلب حبته ومن كل عين سوادها.

يا غازي ، يا أيها الفتى القوي، يا أيها الفارس الطيار، اسمك آهة على كل لسان ، ودمعة في كل مقلة ، وخفقة في كل فؤاد ، ومناحة في كل بيت عربي ، ما تيتم لفقدك فيصل الصغير وحده ولكن فقدك يتم كل عربي. ما تيتم فيصل الصغير أبداً، ما تيتم ؛ إن كل عربي له أب وصديق، إن له في قلب كل عربي مكاناً. أحقيقة أنهم أودعوك بطن الثرى؟ يا غازي، إني والله ما أصدق إنك مت! يا غازي، لقد سمعت الخبر فكذبته ، وانتظرت أن أراك طالعاً علينا تمر مر النسيم الناعش، مر الرجاء الحلو بخيال الآيس الحزين ، تحيي شعبك وتسبغ عليه القوة والحياة بابتسامتك المنيرة وفتوتك الباسلة .

يا أهل بغداد : مات غازي فابكوا واندبوا، فعلى مثل غازي يحلو الندب والبكاء.

يا أهل بغداد: ما فجعتم فيه وحدكم ، ولكنها فجيعة العرب بسيد العرب. لقد كان منار رجائنا فانطفأ المنار .

لقد كان لنا مناط الأمل ، لقد كان لنا كل شيء …فيا أهل بغداد، كلنا في المصيبة سواء.

وعلى العراق رحمة الله والسلام. 

أضف تعليق