راصد

أريده أفضل منّي

في كثير من الأحيان قد تأتي الشجاعة عند بعضنا متأخرة وربما يكون قرارهم خجولاً رغم قناعتهم بصحته وصوابه حتى وإن كان سلوكهم لا يدل عليه أو لا يفضي إلى اتخاذه وفقاً لما يراه أو يعرفه الناس عنهم .

و بعضنا قد تتساقط الأوراق الجميلة من حياته وينزع ( بتلات ) ورودها ، وردة وردة ركضاً وراء سدّ جوعة الجسد فقط بالطعام والشراب وما شابهها فتبقى تلك الورود بلا رائحة زكية وبلا نضارة أو حيوية ، وتكون عريانة أمام الرياح غير قادرة على الصمود أمام أية هزة تتعلق بنفسه وبجسده وتكون سبباً في انتباهة منه أو مفصل هام يصحح ما كان عليه .

أكثر ما يأسرني ويفرحني في ذات الوقت هي حالات الرجوع إلى الحق والعودة إلى الصواب التي اكتشفها عند البعض ممن غابوا عن لحظات الصدق مع أنفسهم ومضت أيام حياتهم وتآكلت أعمارهم وتعّلقوا بأجندة – اكتشفوا فيما بعد خسارتهم فيها –  قد تحقق لهم المال أو الجاه  أو توفر لهم بطولات وانتصارات ، أو ترضي نزوات وطموحات أو تصفي حسابات وتحقق انتقامات وتصنع لهم في دنيا الناس معارك وحروب فلا يرون أو يتوقعون أياماً ولحظات أفضل منها ، وبالتالي يكتفون بها ردحاً من سني أعمارهم وتكون الحصيلة جسم هرم وربما تجاعيد وتقاسيم وجه لا تدلّ إلا على مقدار الإنهاك والضنك والمعاناة الذي سرعان ما يزول أمام لحظة صدق مع نفسه غابت عن أيامه الماضية وشغلته أجندته عن أهميتها ناسياً أن للنفس جوعة كما للجسد جوعة ، وغافلاً عن أن للصدق راحة ومنجاة  وطمأنينة ، وعن أن حبّ الناس أو كرههم منازل وأقدار ، لا نُسرف أو نفرّط فيها ، فنهاية كل حي موته ، ولن يبقى منه في دنيا الناس إلاّ ذكره الحسن . وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف : ” أحبب حبيبك هوناً ما عساه أن يكون بغيضك يوماً ما . وأبغض بغيضك هوناً ما عساه أن يكون حبيبك يوماً ما ” . وفسّر هذا الحديث أحد الشعراء ، فقال :

وأحبب إذا أحببت حباً مقارباً                   فإنك لا تدري متى أنت نازع 
وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباً             فإنـك لا تــدري متـى أنـت راجع

فهذا (س) من الناس شخص عُرف عنه معاداته للمتدينين واستهزائه بهم ومحاربته لهم ، لم يترك مجالاً يمكن أن يصبّ جام غضبه عليهم إلاّ وكان ضمن السبّاقين إليه . وفي سبيل تشويه سمعتهم والنيل منهم طاشت سهامه وانتهكت الدين وتعاليمه ، فلم يسلم من لسانه أو كلامه مثلاً : الحجاب أو اللحية أو ….. إلخ  ، أو حتى الصلوات المفروضة . اختلاق القصص أو تلفيق الحوادث أو تدليسها على الإسلاميين فضاء رحب كان لصاحبنا (س) نصيب فيه  أيضاً بحيث كان معروفاً بأنه مثلما يقولون (دم ضروسه) هؤلاء الإسلاميين وجمعياتهم ونوابهم وأفرادهم .

ومع ذلك ؛ فقد رأيته ذات مرّة يوصل ابنه إلى مركز لتحفيظ القرآن الكريم تابع لإحدى الجمعيات الإسلامية التي – مثلما يقولون –  كان يعاديها ويلفق عليها ويسبّها ( ليل ونهار) ! وأمام استغراب وفضول مني انتظرته في اليوم التالي وسألته عن سرّ هذا التناقض فلم يجد – على ما يبدو – جواباً أحسن وأشـمل وأكثر تعبيراً من أن يقول لي : ”  أريد أن يكون ابني أفضل مني ” .

أضف تعليق