ستكون نانسي بيلوسي أول امرأة في تاريخ أمريكا تترأس مجلس النواب الأمريكي بعدما أظهرت نتيجة انتخابات الكونجرس حصول الديمقراطيين على أغلبية مقاعد مجلس النواب . وهي المرأة التي سخر من طموحها لرئاسة المجلس الرئيس الأمريكي جورج بوش في إحدى حملاته الانتخابية مؤخراً لاختيار أعضاء الكونجرس ، وقوبل استهزاءه بتصفيق حار من الحشد الذي كان يرافقه دون أن يعلم أن صناديق الاقتراع التي جرت بعد ذلك بأيام قليلة قد خذلت توقعاته وستكون نانسي بيلوسي في شهر يناير المقبل على يساره في المنصة التي سيلقي بوش خطابه المعتاد عن حال الاتحاد بالضبط مثلما سيكون على يمينه نائب الرئيس ديك تشيني . فبموجب الدستور الأميركي، فإن نانسي بيلوسي بحكم موقعها في مجلس النواب تكون ثالث اقوى سياسي في الولايات المتحدة بعد الرئيس ونائب الرئيس .
ولكن من هي هذه المرأة ؟ ولدت نانسي بيلوسي في 26 مارس 1940 من أسرة ثرية ونافذة سياسيا من أصول إيطالية ونشأت في مدينة بالتيمور شرق أميركا، وشبت مهتمة بالسياسة، خاصة أن والدها توماس داليساندرو دخل مجلس النواب الأميركي عن ولاية ميريلاند كما انتخب عمدة لبالتيمور. وتلقت نانسي تعليمها في إحدى مدارس بالتيمور الكاثوليكية ، ثم اختارت لها أسرتها الكاثوليكية المحافظة كلية بنات للدراسة فيها، حيث التحقت بكلية ترينتي في واشنطن وهي كلية تابعة للروم الكاثوليك ولا يقبل فيها الطلبة الذكور.
وخلال دراستها الجامعية، التقت مع باول بيلوسي الذي كان يدرس في جامعة جورج تاون فتزوجا وانتقلا إلى مسقط رأسه مدينة سان فرنسيسكو بولاية كاليفورنيا , وأنجبت نانسي خمسة أطفال هم كارولين وكريستين وجاكلين وباول وأليكسندرا. وبسبب أولادها تفرغت نانسي بيلوسي كثيرا لمهامها كأم، وكرست الوقت الأكبر لأسرتها، ولم تبدأ أي نشاط سياسى منتظم ، إلا عندما كبر أولادها وأصبحت الآن جدة لخمسة أحفاد.
لم ترشح نانسي بيلوسي نفسها لمنصب عام إلا بعد أن وصلت إلى سن السابعة والأربعين من عمرها أي في عام 1987 بعد أن أكملت صغرى بناتها الثانوية العامة. ففي عام 1987 دخلت نانسي بيلوسي مجلس النواب لأول مرة وأعيد انتخابها منذ ذلك الحين ثماني مرات ممثلة الدائرة التي تغطي ضاحية سان ماتيو، جنوب سان فرانسيسكو. وتتقاضى نانسي بيلوسي راتبا سنويا يزيد عن 200 ألف دولار أميركي وتصنف بين النواب العشرة الأكثر ثراء فى الكونغرس، ومع ذلك فإنها تدين لزوجها بمستوى الحياة الراقي الذي تعيشه في كاليفورنيا كونه من رجال الأعمال الأثرياء، إذ يدير شركة عقارية تقدر ثروتهما بحوالي 50 مليون دولار.
و نانسي بيلوسي معروفة بأنها صوتت ضد حرب العراق وتطالب بسحب القوات. ومما يدل على جديتها في ما تطرحه ، أنها دعت في اليوم التالي مباشرة لإعلان سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب بإقالة وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد من منصبه محملة إياه مسؤولية عدم الإنصات لرغبات الشعب الأميركي، ولم تمر سوى ساعات قليلة على تصريحها إلا وقد دعا الرئيس بوش إلى مؤتمر صحافي في البيت الأبيض أعلن خلاله استقالة رامسفيلد . إلا أن ذلك ينبغي ألا نتوهم إزاءه بأن الديمقراطيين ورئيستهم نانسي بيلوسي سيكونون أقل انحيازا لإسرائيل أو أنهم سيسيرون نحو صياغة سياسة جديدة أكثر توازناً بخصوص القضية الفلسطينية ؛ فقبل عام واحد تقريباً وفي خطاب بيلوسي أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية المسماة (إيباك) التي تشكل «غرفة عمليات» اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، في ذلك الخطاب قالت «أقوى امرأة في واشنطن» إن ارتباطها بإسرائيل «مصيري»، وأضافت «ابنتي كاثوليكية وزوجها يهودي وفي الأسبوع الماضي احتفلنا بعيد ميلاد حفيدي وقد توقعت أن ينشدا أغنية عيد ميلاد سعيد التي نعرفها جميعا، ولكنهما انشداها باللغة العبرية».
وكانت بيلوسي قد قدمت مداخلة تليفزيونية طويلة قبيل انتخابات الكونجرس الأخيرة قالت فيها إن «محاولات تصوير إسرائيل أو مواجهتها مع المنظمات الإرهابية الفلسطينية باعتبارها مصدر المتاعب في الشرق الأوسط هي محاولة مضللة للولايات المتحدة ومعادية لإسرائيل. إن إسرائيل هي رصيدنا الأول في المنطقة، وهي الدولة الديمقراطية الوحيدة هناك. ولا أدري كيف يمكن للبعض لومها. هل يلومونها لأنها ديمقراطية! أم لأنها حليف قوي لنا؟ أم لأنها جزء من أمننا القومي؟».
ولذلك على الساسة في أوطاننا العربية ألا تزداد عندهم الأمنيات وتتفاقم التفاءلات ثم لايلبثوا أن يتفاجأوا أن ذلك مجرّد سراب وأن هذه الفوارق المزعومة بين الديمقراطيين والجمهوريين هي ذات الفوارق الموجودة بين حزب العمل وحزب الليكود في إسرائيل.