صحفي شاب، كان يطارد الأخبار وتطارده، فتلك كانت هوايته وحرفته، في عام 1969أتاه نبأ عابر وغامض مفاده أن ثمة تحقيق سري يجري مع ضابط أمريكي متهم بقتل مدنيين أمريكيين فيتناميين إبان اشتعال الحرب الأمريكية ضد فيتنام. وتشبث هذا الشاب بالنبأ، وتمكن من مقابلة الضابط المتهم, وكان يدعى وليام كالي، وحاوره ولم يترك أي شاردة ولا واردة في ثنايا الوقائع التي حصل عليها إلا وتأكد من صحتها، وعندما اطمأن إلى صدق تفاصيل ما كتب قام بنشره في صحيفة أمريكية ذائعة الصيت برصانتها وموضوعيتها، وحقق بذلك سبقاً صحفياً بكل المعايير لكشفه ماأصبح يعرف بمذبحة ماي لاي التي قتل فيها أكثر من خمسمائة مدني فيتنامي غالبهم من النساء والأطفال على أيدي جنود أميركيين في حرب فيتنام حينما اقتحموا هذه القرية الفيتنامية الصغيرة ، وفجر ضجة سياسية عارمة وتمكن من تغيير توجهات الرأي العام، وتأجج الغضب ضد الحرب الأمريكية في فيتنام، وأسهم في إرغام إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون على سحب القوات الأمريكية من فيتنام وسط غبار العار والهزيمة عام1973م . وحصل هذا الصحفي بسبب نشره هذا التقرير على الجائزة الصحفية المرموقة المسماة ( بوليترز ) .
هذا الصحفي نفسه ألف كتابا أسماه ( تسلسل القيادة من 11 سبتمبر إلى أبو غريب) كشف فيه فظائع تعذيب الأسرى العراقيين في سجن أبو غريب حيث وصفها بالجريمة الإنسانية والنكبة لكل العراقيين ، صور التعذيب البشعة التي ضمنها في كتاباته ومقالاته التي نشرتها الصحف الأمريكية في منتصف العام الماضي كشفت عن ممارسات سادية للجنود الأميركيين ذكوراً وإناثاً ضد العراقيين، ووضعت إدارة بوش العام الماضي في مأزق جديد بعد فشلها في العثور على ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل ، خاصة بعد إبرازه محاولات قيادة الجيش التعتيم على الفضيحة بعد تلقيها تقارير سرية عن هذه الممارسات. واضطر البنتاغون أمام حالة الغضب العربي والعالمي التي سببتها الفضيحة للتنصل من ممارسات الجنود في أبوغريب الذين أكدوا في المقابل أنهم كانوا ينفذون أوامر قيادتهم وأحيل عدد من الجنود للمحاكمة العسكرية .
كتب هذا الصحفي في الآونة الأخيرة عن الوجود الإسرائيلي الكبير في العراق والذي تمثل في شكل رجال أعمال ومقاولات، ومتعهدين لشركات صناعية وتجارية، ومراكز بحوث وشركات استشارية لدراسات المشروعات، وقوات أمن ضمن عشرات من شركات الأمن الخاصة من مختلف الدول التي تقوم بعمليات معاونة للجهد العسكري للبنتاجون، وكثير منها شركات إسرائيلية، مسجلة بترخيص من عواصم خارجية، حتى أن الشركات الإسرائيلية في العراق قدر عددها بمائة وخمسين شركة، ويتستر الموساد وراء لافتتها الخارجية، حتى لقد قيل من مصادر عراقية تراقب الوضع ميدانياً، أنه صار هناك نوع من الجسر الجوي بين إسرائيل والعراق .
هذا الصحفي هو سيمور هيرش ؛ وهو صحفي أمريكي لامع ، لم يعرف بانحيازه ، بل عرف بجرأته وبشجاعته الصحفية فهو أول من كتب أكثر الكتب إدانة لهنري كيسنجر في أوائل الثمانينيات وأيضا كشف أسرار الترسانة النووية الإسرائيلية في كتابا له آخر في أوائل التسعينيات . ولذلك عندما يصف هيرش خطورة التغلغل الإسرائيلي في بلاد الرافدين فإن خبره يكون بمثابة ماقالته حذام ؛ تلك المرأة اليمانية التي حذرت قومها من اقتراب العدو لما رأت أسراب القطا تطير ليلا فقالت مقولتها الشهيرة:( لو ترك القطا ليلاً لنام ) فكذبوها فداهمهم العدو ، فأنشد زوجها: إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام. وبالتالي لانتمنى أن نكون في المستقبل كزوج حذام ، خاصة وأن ذات التغلغل اليهودي يبدو أنه ليس في العراق وحدها.