سنظل نقول أنه ليس هنالك ثمّة أي اعتراض على أي جهود تبذلها وزارة التربية والتعليم ممثلة في الأمانة العامة للتعليم العالي لإعادة الاعتبار لمستوى الجامعات الخاصة المنتشرة في ربوع مملكة البحرين والارتقاء بها ، وسواء جاءت هذه الجهود متأخرة أو في وقتها ، لكنها في العموم هي تستحق الدعم والدفع بها دائماً باعتبار أن التعليم أحد أهم وأكبر مقوّمات التنمية والتقدّم ، ولاتحتمل عمليات تجويده وتحسين مخرجاته أي جدال أو مناقشة .
غير أنه بعد مرور كل هذه الأشهر من بدء العمليات التصحيحية والتصريحات والتجاذبات الإعلامية بين الوزارة والجامعات الخاصة وما أعقبها من سيل المخالفات والتجاوزات التي طالت كل شيء في تلك الجامعات بما فيها مبانيها ومرافقها حتى ( دورات المياه و… ) بالإضافة إلى الأضرار التي خلفتها تلك الحملات والمخالفات على سمعة التعليم العالي في البحرين والحطّ الواضح بمكانته على المستوى المحلّي والإقليمي ناهيك عن الإساءة والخسائر المادية التي تكبّدها ملاّكها وأصحابها والمستثمرون فيها ؛ أقول بعد كل ذلك فإن الأمر يستوجب إعادة تقييم كل تلك الإجراءات للوقوف على مدى صوابيتها وسلامة تطبيقها ووجاهة الاستمرار فيها .
من يسمع عن الاستمارات والإجراءات والمراجعات والمستندات والأذونات والإخطارات والتعاميم وطلبات الموافقة وأعداد المراجعين من الطلبة ومن مسؤولي تلك الجامعات والكم الكبير من المطلوبات من الجامعات الخاصة ومنسوبيها الآن للأمانة العامة للتعليم العالي بالإضافة إلى تسجيل الطلبة واعتماد نتائجهم أو ما شابه ذلك سيصل إلى نتيجة مفادها انتفاء صفة الخصوصية والاستقلالية عن تلك الجامعات التي بات من الواضح أنه يجري التعامل معها – بقصد أو من دون قصد – كإدارة أو جهاز تابع لوزارة التربية والتعليم ، لا تستطيع أن تقوم من دون إذن كتابي وموافقة من الوزارة بأي إجراء أو عمل من تلقاء نفسها واعتماداً على رأيها ونظرتها وقرارها أو تلبية لطموحها و رغبتها أو ما تمليه عليها قناعات وتوجهات أصحابها وملاّكها ومجالس إداراتها.
بل يُقال أنه تم إرهاق الجهاز الإداري والفني بالأمانة العامة للتعليم العالي بكم كبير من الإجراءات والمراجعات غير المعمول بها سابقاً ربما يعجز الكادر الحالي الموجود فيها عن متابعتها وحتى النظر في مئات الأوراق والمستندات المستلمة من تلك الجامعات الخاصة يومياً أو أسبوعياً ، والتي أصبح حالها بالضبط كحال أي قسم أو إدارة داخل الهيكل التنظيمي للوزارة.
في الحقيقة ، ليست الجامعات الخاصة سوى رافد من روافد الاستثمار في مملكتنا العزيزة ينبغي الإشراف عليها ومتابعة أعمالها مثلما يتم التعامل مع مختلف صنوف وأنواع الاستثمار الخاص من شركات أو بنوك ومصارف أو مؤسسات أو مستشفيات أو عيادات أو صيدليات أو مصانع أو وكالات أو فنادق أو مطاعم أو صحف أو مطابع أو ما شابهها مما تخضع لإشراف وزارات ومؤسسات الدولة لكنها تحافظ على استقلاليتها وخصوصيتها ولايتم انتهاكها والتدخل في إجراءات كل شيء فيها ، كل شيء فيها ، مهما صغر أو كبر ، على النحو الذي يحدث الآن فقط بالنسبة لجامعاتنا الخاصة وأحسب أنه لا يحدث حتى لجامعة البحرين التابعة رسمياً للوزارة ! كما أظن أنه من الصعوبة أن نقبل من يأتي إلينا ليقول أن هذه الإجراءات وهذه المطلوبات وهذه شبه ( الوصاية ) على الجامعات الخاصة معمول بها في مختلف الدول ، الخليجية أو العربية أو الدولية .
لقد بات مطلوباً الآن من سعادة الفاضل الدكتور ماجد بن علي النعيمي وزير التربية والتعليم تدخلاً عاجلاً وآنياً بحكمته ورويّته وأبوّته وقدراته المعهودة على الاحتواء ، أولاً : فكّ ضائقة خريجي هذه الجامعات وتخليص شهاداتهم من أسْر إجراءات وعمليات لاذنب لهم فيها . وثانياً : إعادة الاعتبار لمكانة التعليم العالي في البحرين والمحافظة على وضعية الجامعات الخاصة حالياً وكذلك الحرص على تطبيق البند الثالث عشر من المادة الخامسة من قانون رقم (3) لسنة 2005بشأن التعليم العالي ، التي تنص على : ” تشجيع الاستثمار الخاص في التعليم العالي ” لاسيما في ظل تزايد الخريجين وعجز جامعة البحرين – كجامعة حكومية وحيدة – عن قبول أعدادهم المتزايدة وعدم كفاية المنح والبعثات الرسمية لاستيعابهم وضعف مداخيل الناس وعجزها عن إرسال أبنائهم للدراسة في الخارج على نفقاتهم ، فلا يبقى لهم بعدئذ إلا التوجه للجامعات الخاصة في ربوع مملكتنا العزيزة التي نحسب إننا بحاجة للمزيد منها الذي لن يأتي إلينا في ظل مثل هذه الإجراءات والتدخلات التي ربما تتسبب – لاسمح الله – في التنفير من الاستثمار في التعليم رغم حاجتنا الماسّة إليه .
بالمناسبة ، ومادمنا في صدد الحديث عن الاستثمار ؛ أي انتقاد لما يجري في الفنادق والشقق المفروشة من أنواع السياحة المخجلة ، التي يعرفها القاصي والداني ، وأي طلب بزيادة متابعتها والتفتيش والرقابة عليها يتم مواجهته بالتحذير من هروب الاستثمار والتأثير على فرص استقطابه ، وأنه يجب الرضا والسكوت و( الطبطبة ) على هذه الممارسات المسيئة لديننا ووطننا وعاداتنا حرصاً وحفظاً وخوفاً على هذا النوع من الاستثمار ( السبّة ) بينما لا يكون مثل هذا الخوف على الاستثمار في التعليم رغم الفارق بين الاثنين ، في الشكل والمضمون ، وفي الهدف وفي النتيجة ، وفي كل شيء ..