توقعت بعد أن نشرت يوم الأثنين الماضي ، الموافق 21 سبتمبر الحالي عن حصول كلية الهندسة بجامعة البحرين على اعتمادية من أكبر المؤسسات العالمية المختصة في ذلك ، وهي مجلس الاعتماد الأمريكي للبرامج الهندسية والتكنولوجيا (ABET) وتكون بذلك ثاني كلية على مستوى الوطن العربي تحصل على هذه الاعتمادية ، واستغربت أو استنكرت أن يمرّ هذا الإنجاز دون أن يعلم به أحد في صورة هي أشبه بالتكتم عليه إلاّ من خبر (يتيم) لايكاد يُرى في بعض الصحف على خلاف إنجازات أخرى يتم بهرجتها وإبرازها ربما لاتستحق أن تنال حتى مسمى إنجاز ، أو لا ترقى – على الأقل – لمستوى هذا الإنجاز ، إنجاز أن تكون شهادة الطالب المتخرج من كلية الهندسة بجامعتنا الوطنية معادلة وموازية لذات الشهادة الصادرة من كليات الهندسة في جامعات مرموقة مثل هارفرد وستانفورد وماساشوستس .
توقعت في الحقيقة أن يتصل بي أحد من المسؤولين المعنيين أو أن يأتي لي رد من الجامعة ليشكر إشادتي بهذه السمعة الأكاديمية العالية ويوعدوني بأنهم سيعطونها حقها من التسويق والإعلام وتسليط الأضواء وأنهم سيتولون تكريم أبطال هذا الإنجاز العلمي الكبير، وعلى رأسهم عميد كلية الهندسة السابق الدكتور حسين المدني، صاحب فكرة الحصول على هذه الاعتمادية والذي أنجز مع طاقم كليته وطلبته على مدار فترة عمادته غالب متطلبات الحصول على هذه الـ (ABET) والدكتورة مريم بنت حسن آل خليفة الرئيس السابق للجامعة حيث كان لها سبق الدعم والتشجيع والرعاية والدفع والمتابعة لانطلاقة نيل هذه المكانة العلمية المتميزة .
لكن للأسف الشديد لم أتلق أي اتصالاً رسمياً يفيد بذلك ! وجاء رد دائرة العلاقات العامة والإعلام باهتاً ومبرأ الجامعة من مسؤولية الإعلان والإبراز الإعلامي لهذا الإنجاز ، وألقى هذا الرد مسؤولية التقصير الإعلامي على وسائل الإعلام والصحف ذاتها رغم أن أي مؤسسة ، بما فيها جامعة البحرين ، تستطيع – لو أرادت – أن تفعل الكثير لفرض فعالياتها ومناشطها وإنجازاتها على وسائل الإعلام ، والأمثلة على ذلك لا تعجز الجامعة أو دائرة العلاقات العامة والإعلام لديها عن استقصائها خاصة تلك المهرجانات والاحتفالات المتعلقة بالتعليم . لذلك فإن التبرير الوارد في رد الجامعة غير مقبول ولا يتناسب مع الحالة الإعلامية العامة في المجتمع البحريني .
غير أنه تلقيت اتصالات وتعليقات عديدة من بعض منسوبي جامعتنا الوطنية تشيد بمقالتي وتطرقي لإنجاز يحسبه بعضهم أنه من أكبر المكتسبات لعملية إصلاح التعليم بالبحرين وأشار بعضهم إلى أن هذه الاعتمادية كانت بمثابة الحلم الصعب المنال وكان بعض المسؤولين طوال سنوات العمل الأربع يقولون باستحالة تحقيقه ، فلمّا تحقق وُوجه بصمت وحالة تعتيم – إن صحت التسمية – قد لا يخرج تفسيرها عن أحد احتمالين : أولهما : إما أن يكون هذا الإنجاز وهذه المكانة غير المسبوقة في الوطن العربي ليست ضمن وارد اهتمامات المعنيين ولا تثير حماسهم للتصريحات والضجيج الإعلامي حولها ، ولا تعني لهم شيئاً وشاناً ذي بال يستأهل الاحتفاء به . وهو أمر مستبعد خاصة بعدما خاضت وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للتعليم العالي شبه معركة طاحنة طوال الأشهر القليلة الماضية مع الجامعات الخاصة بسبب الموضوع ذاته ، موضوع الاعتراف والاعتمادية المحلية ومتطلباتها ( الاعتمادية البحرينية وليست اعتمادية دولية بمستوى الـ ABET) وهي معركة – بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع أسبابها ودوافعها ونتائجها – وصلت إلى ساحات المحاكم وأطاحت بالسمعة الأكاديمية لهذه الجامعات البحرينية المرخصة وجعلتها ( فرجة وطماشة ) داخلياً وخارجياً . وبالتالي كان حصول إحدى كليات جامعة البحرين على الاعتمادية العالمية المرموقة (ABET) فرصة سانحة لإعادة الاعتبار للسمعة الأكاديمية البحرينية وفرصة مواتية لأن نقول للداخل والخارج ، بكل فخر واعتزاز أن هذا هو طموحنا ، وهذا هو سقفنا المنشود ، وأن هذا هو مستوى جامعتنا الحكومية الوطنية ، وأننا نتباهى كثاني كلية عربية تقريباً تحظى بهذه الاعتمادية العالمية . أما الاحتمال الثاني فهو أنه قد يكون في الموضوع ( إنّ وأخواتها ) ونوع من الغموض الذي يكتنف سوء الاحتفال وقصور الإعلان بحصول كلية الهندسة على هذه الاعتمادية العالمية وعدم استغلالنا لها رغم أهميتها ومنزلتها ، ورغم حاجتنا الماسّة لتحسين الاهتزاز المذكور وتخفيف حالة الـ ( طماشة ) التي خلّفتها معركة الجامعات الخاصة فضلاً عن الحق الأدبي لأصحاب الإنجاز في كلية الهندسة ومنسوبيها وعموم جامعة البحرين، وهو إغفال وربما إغفاء يبعث على الإحباط لدى بقية كلياتها وأساتذتها . ونأمل ألا يظهر علينا في المستقبل من يقول لنا أن الفتور والبرود إزاء الحصول على هذه الاعتمادية والاعتراف الدولي غير المسبوق إنما كان بفعل فاعل ، عن سبق قصد وتعمّد ، وأنها ربما في سياق تصفية حسابات أكاديمية شبيهة بما يُقال أيضاً عن المعركة مع الجامعات الخاصة ، نتمنى من كل قلوبنا أن يكون هذا الكلام لا صحةّ له على الإطلاق باعتبار أن المكتسبات الوطنية يجب ألاّ تخضع لأية حسابات ، مهما كانت.
بقي أن نشير إلى أنه – حسبما يُقال – أن بعض الجامعات من الدول العربية قد استقدمت أساتذة وخبراء أجانب لأجل أن يقودوا عمليات وجهود ومتطلبات حصولها على اعتمادية الـ (ABET) الدولية وخصصت لهم ميزانيات ومكافآت مجزية بينما البحرينيون حققوها بأنفسهم وبقدراتهم وكفاءاتهم الوطنية . ومع ذلك يُبخس إنجازهم ويُبخل عليهم حتى بما يُفعل ببقية إنجازات أخرى هي بالتأكيد في المقاييس الحقيقية أقل شأناً واستحقاقاً . وهذه هي عقدة ( الخواجة ) .
فيا جامعة البحرين ، اسمحوا لي أن أشكركم ؛ لكن ردّكم وتبريركم غير مقبول ، فصاحب الإنجاز – وليس الآخرين – هو الأقدر على إبرازه ، ولديه ألف طريقة وطريقة في عصر ( الميديا ) لتسويق إنجازه وتسليط الأضواء والميكرفونات والفضائيات والكاميرات عليه ، فقط حينما يريد.