راصد

الاستفتاء على أخبار الخليج ..

 قبل نحو  تسعة عشر عاماً تقريباً ، وبالتحديد في صيف عام 1988م دخل كاتب هذا المقال بعد تخرّجه من الجامعة امتحان تحريري أجرته جريدة أخبار الخليج بإشراف الأستاذ الفاضل أبو وائل ، لطفي نصر، وذلك لمجموعة من المتدربين والراغبين في العمل في أقسام التحرير الصحفي المختلفة فيها .

وكان الامتحان يتكون من أربعة أسئلة مجموع درجاتها (100) درجة ، ثلاثة منها أسئلة مقالية تتعلق بصياغة أخبار أو تقارير أو عناوين  وما شابهها ، كان لافتاً أن هذه الثلاثة الأسئلة تحصد نصف مجموع الدرجات المقررة للامتحان ، أي عليها (50) درجة فقط بينما ال( 50) الأخرى تم تخصيصها لسؤال صغير جداً قياساً بالأسئلة الأخرى ؛ وهو : ما هو الرقم الموجود على باب الغرفة التي أنت بداخلها الآن ( غرفة الامتحان آنذاك ) ؟ وعلى ما أذكر أن التنويه المرفق كان ينص ( إذا لم تكن متأكداً من الرقم لا تكتب أي رقم وإلاَ خسرت درجة الامتحان بأكملها ) !! .

كان وقع هذا السؤال كالصدمة علينا ؛ فهو لم يكن متوقعاً وليس في حسبان المذاكرة والاستعداد المسبق للامتحان ، فضلاً عما يحمله من استفزاز يتمثل في رفض التخمين وكذلك تخصيص نصف درجة الامتحان للإجابة على سؤال غريب ليس له علاقة بالصحافة أو وسائل الإعلام ( أو هكذا كنَا نظن آنذاك ) .

ولم يكن يدر في خلدنا أن هذا السؤال وطريقته إنما يعبر عن خط  ومدرسة أخبار الخليج ذلك الخط الذي يعتمد الدقة منهاجاً في نقل المعلومات ونشر الحقائق بحيث يطلبون من مجموعة مثل مجموعتنا أن تفرط في (50%) من درجة الامتحان إذا لم يكونوا متأكدين من رقم باب غرفة الامتحان التي هم بداخلها ويمنعونهم حتى من التخمين !! وإذا خمنوا وأخطأوا سيخسرون ال (100) درجة !

ويبدو أن هذا الخط  هو  المدرسة التي أنشأتها أخبار الخليج وحافظت عليها منذ تأسيسها ، مدرسة الاتزان والرصانة والدقة والموضوعية والكلمة الصادقة والنهج الوطني الذي يعبر عن أحاسيس ومشاعر الحب الصادق والحرص الخالص للبحرين ، لم  تتلوث أخبار الخليج  بأمراض الكتابة الصفراء أو الارتباط بمصالح أجندات – لاتضمر  للوطن  خيراً . ولم تتلوّن رغم تكاثر المتلونين وزيادة سطوتهم ، بقيت حرة ونزيهة ، تجدها مع نبض الشارع في آماله وتطلعاته ، تعبر بكل أريحية وشفافية عن مشكلاتهم وترصد مواقفهم وتعكس حسّهم على المتغيرات من حولهم ، المحلية والإقليمية والدولية ، بدون زيادة ولانقصان ، وبدون تعسّف ولا تكلّف . وهذا النهج هو الذي جعل يوم أمس صباح البحرين مختلفاً عن باقي الأيام حينما تفاجأ الناس بحجب أخبار الخليج عن الصدور ، فغاب عن ذاك الصباح أهم أعمدة بداياته وإشراقاته الجميلة التي اعتادوا على ريادتها وتميزها.

بغض النظر عن الملابسات القانونية والإجرائية لما حدث أمس فإنه – بلا شك – كان مناسبة غير مقصودة للاستفتاء على مكانة عميد الصحف البحرينية في المجتمع ، وأحسب أن جميع القائمين على أخبار الخليج من رئاسة تحريرها وصحفييها وكتابها قد اكتشفوا يوم أمس نتيجة هذا الاستفتاء وتعرّفوا على حبّ القراء لهم والتصاقهم بهذه المدرسة  التي لا أدري كيف قفزت إلى ذهني يوم أمس الكثير من ذكرياتي معها إلاّ أنني وجدت أن أفضل ما يمكن مشاركة قرائي فيه هو أن أعيد عليهم كتابة قصة أول التحاق لي بمدرسة أخبار الخليج حتى يضيفوها إلى نتائج الاستفتاء .

أضف تعليق