ونحن نذرف دموعنا وقلوبنا تحترق، والحزن والألم يعتصران القلب ، وقلب كل العرب والمسلمين المخلصين الذين كانوا لايتمنون أن يحدث ماحدث لأسطول الحرية الذي يضم أناس فاض بهم الغيظ والصبر على أقسى مأساة إنسانية يتعرض لها شعب في التاريخ الحديث ، بإرادة وصمت وتواطؤ دولي غير مسبوق ؛ يحق لنا أن نتساءل : هل كانت هنالك حاجة لوسائل وأساليب من مثل أسطول الحرية لكسر الحصار عن إخواننا في قطاع غزة ؟ ألم يكن بالإمكان أن يزول هذا الحصار من خلال إرادة عربية وإسلامية لا دخل للأمريكان والصهاينة في تسييرها أو الإذن بنفاذها ؟ هل كان يمكن أن يحاصر العالم كله مدينة – مثلاً – نيويورك داخل الولايات المتحدة الأمريكية من دون أن تتحرك مختلف الولايات المجاورة لها لنجدتها وإغاثة أهلها ونصرتهم وسدّ حاجتها وعوزها وكفايتها وعلاج مرضاها وفكّ ضيقها وإعمارها ، إن هذا المثال يرفضه المنطق لولا أن واقع الحال في قطاع غزة يخالف منطق العقل وواجب الشرع ويقطع أواصر وروابط الدين والدم واللغة ، ويقدّم فضيحة مدوية ستظل تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل وسط ذهول وحيرة : هل ماتت الأنظمة العربية أم أن صوتها هو الذي انحبس ؟ وما هذا السكون المخيم عليها وهي تشاهد وتعرف أكثر من غيرها منظر قطاع غزة وأحوال أهله المحاصرين داخله ، ومن بينهم ، ووسط دولهم وأراضيهم ، دون أن تثير هذه المشاهد فيهم غضباً أو تستفز الكرامة أو تستثير الشهامة والنخوة العربية والإسلامية ، وكأننا أمّة قد تبلّدت ومات فيها الشعور وأُخصي منها الإحساس حتى انتهى أمرها إلى هذه النهاية المحزنة ؟!
ياترى والحال هذه ؛ من سيدافع عن الأنظمة العربية الحاكمة حين يأتي أوان سقوطها ؟ ومن هم الذين سيوفرون لقادتها ورموزها الحماية حينما يرفع الغرب والأمريكان عنهم الغطاء ؟ مشكلتنا أن الولاء للحكام في وطننا العربي والإسلامي لايفهمه البعض إلا عن طريق زيادة الصور والتماثيل واللوحات في الميادين والطرقات ، ولايتجذر هذا الحب والولاء عند البعض إلا بإقامة الأبراج وتشييد الجسور والأنفاق بأسمائهم ، ولايحسن البعض إتقانها إلا بتدبيج الأهازيج والقصائد والأغاني في مدح وثناء الزعيم أو القائد . لكن القليلون هم الذين يعرفون إن الحب والولاء إنما هي قيم يحفرها الحكام والقادة في قلوب المحكومين وأفئدتهم بالعدل والمساواة والخوف من الله فيمن استرعاهم والانحياز لنصرة قضاياهم ومقدساتهم والدفاع عنهم ، ولايتجرؤون على الخيانة والعمالة لأعدائهم ويرفضون بيع الضمائر ويمتنعون عن الانهزام والارتماء والارتهان في أحضان غير شعوبهم ، ويحرصون على نظافة أياديهم وسجلاتهم من الغدر والتواطؤ والتطبيع مع المحتلين والمغتصبين . كل ذلك سيجعل تلك الشعوب تحمي هؤلاء الحكام والقادة عند سقوطهم أو تهاوي عروشهم ، وستفديهم بأرواحها وستدافع عنهم بمهج قلوبها، وإن رحلت تلك الزعامات أو الأنظمة ستظل صورها ناصعة البياض محمولة فوق الرؤوس كالتيجان ومحفوظة في القلوب كالألماس ، وستسترجع سيرها الأجيال من كتب التاريخ الخالدة وليس من سلال المهملات والقاذورات البالية . . في يوم ما ستتهاوى العروش – وإن امتدّ بها الزمان سنوات وعقود – كما تتهاوى النخلة التي كانت تحاكي القمر، وكما تجردت الغصون من أوراقها .
تحية إجلال وتقدير لأبطال أسطول الحرية ، الشهداء والمصابين والمعتقلين منهم ، وتشرفت البحرين أن يكون لها تمثيل في هذا الأسطول .