راصد

ألان غرينسبان والعطش إلى النفط

في يوم من الأيام ، قبل أربع سنوات اجتاح الأمريكان العراق واحتلّوها ، كانت مبرراتهم البحث عن أسلحة الدمار الشامل وحرمان العراق من الحصول عليها وأنهم يريدون أن يجعلوا من العراق مثالاً يُقتدي به في المنطقة، وأنهم سيقضون على الدكتاتورية وسيعززون الديمقراطية ، وكانوا يبشرون بالعدالة والحياة الآمنة، وأنهم سينقذون الشعب العراقي وسيتيحون له فرصة استنشاق الحرية ؛  فهل كانت فعلاً تلك أهدافهم ؟ وهل تمكنوا من تحقيقها  ؟!

النتائج على الأرض خلال أربع سنوات هي عمر الإحتلال تقول :  تم القضاء في العراق علي ما يناهز المليون من البشر، وضعف هذا العدد من الجرحي والمعاقين، وأضاف الاحتلال لرصيد الأرامل مليون أرملة عراقية، ولرصيد الأيتام أكثر من مليون يتيم، وشرَد ما يناهز الأربعة ملايين إنسان خارج البلد في أكبر هجرة لم يعرف العراق مثيلها في كل تاريخه، جلهم من المتعلمين، والذين هم عماد نهضة البلد ورقيه، وهجرّ مئات الآلاف من العراقيين في داخلها ، وتدهور الوضع الصحي لمستويات لم تشهدها أفقر بلدان العالم إلى درجة أن ظهرت فيها أمراض أوشكت أن تنقرض من الكرة الأرضية ، في هذه الأيام تم الإعلان عن إصابة ما يقارب  خمسمائة عراقي بوباء الكوليرا . أما التعليم فإن القليلين هم الذين يتجرأون على إرسال أبنائهم للمدارس خشية من تعرضهم لمسلسلات الذبح اليومية لاسيما وأن كثرة من المدارس قد تحوّلت إلى ثكنات عسكرية للجيش المحتل أو ميليشياته العميلة وقُتل أو هُجر عشرات الآلاف من أساتذة الجامعات وخيرة أبنائها من الأكاديميين .

ولذلك لم تكن الأسباب المعلنة لاجتياح العراق إلاّ نوع من السخف الذي تبجحت به السياسة الأمريكية  ، وأكثرها بعداً عن الدوافع الحقيقية للحرب . وأخفت وراءها أسباباً  صار يفضحها الآن ليس أعداءها وإنما أبنائها ممن تربوا في أحضانها وساهموا في رسم سياستها على مدار عقود وعقود حتى إذا انتهى بهم العمر أو قارب جاءت اعترافاتهم مثيرة .

أحد هؤلاء هو ألان غرينسبان الذي كان رئيساً للاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) للولايات المتحدة – أكبر بنك مركزي في العالم –  لمدة تقارب ثمانية عشرة عاماً ، منذ أغسطس 1987 حتى يناير 2006م وقد ظل في نفس الوظيفة طيلة عهود أربعة رؤساء أميركيين بدءا بالرئيس الأسبق رونالد ريغان وحتى الرئيس الحالي جورج بوش الابن.

آلان غرينسيان البالغ من العمر الآن (81) عاماً وكان يطلق عليه الإعلام الأمريكي لقب ( اقتصادي الاقتصاديين )  ينشر مذكراته في شهر سبتمبر الماضي  تحت عنوان ” زمن الاضطرابات: مغامرات في عالم جديد ” وحصل من دار بنغوين برس للنشر  على 8.5 ملايين دولار في مقابل مذكراته.

لعل أهم ما ورد في تلك المذكرات هو ما تطرق إليه بشأن دافع الحرب على العراق في عام 2003م إذ جاء في كتابه ” يحزنني بأن يكون من غير المناسب سياسيا أن اعترف بما يعرفه الجميع، وهو أن الحرب في العراق قد كانت ولدرجة كبيرة من أجل النفط “.

لا نسمع كلاماً عادلاً وفهماً منطقياً من الساسة الأمريكيين إلا في حالتين : قبل وصولهم للسلطة وبعد خروجهم منها ؛ أمّا أثنائها فهم حالات نشاز، وشخوص أخرى تعيث في الأرض قتلاً وتدميراً وانتهاكاً وخراباً وفساداً ، ولا يكتشفون سوء تدبيرهم وما اقترفته أياديهم إلاّ في  خريف أعمارهم .

أضف تعليق