“توماس دو كونينك” Thomas De Koninck أستاذ جامعي في كلية الفلسفة بجامعة “لافال”، ورئيس الجمعية الكندية للفلسفة. فاز كتابه “الكرامة الإنسانية” الصادر سنة 1995م بجائزة الأكاديمية الفرنسية لعام 1996م.
“دو كونيك ” أورد في الكتاب تعريفاً مبسطاً للكرامــة الإنســانية، إذ يذكر أنها تعني ” أن الإنســان فوق كل ثمــن، فكل ما له ثمن يمكن تغييره بشـيء آخــر، معادل له في القيمة، في حين أن ما يفوق أى ثمن له قيمة مطلقة لايمكن أن تكون نسبية بأي حال”.
و بنظرة عابرة للمجتمعات الغربية ندرك بسهولة القيمة الحقيقية التي يولونها للإنسان والأهمية البالغة التي يمنحونها لحياته وحريته وحقوقه وسائر مكتسباته، وعدم تفريطهم فيه، وعدم رضاهم بالإساءة إليه إن كان مغترباً في دولة من الدول حتى لو كان مجرماً ثبتت إدانته، وأمامكم من الحوادث والقضايا المتعلقة بهم ما يعد للإنسان في عالمنا العربي والإسلامي من قبيل الغرائب والعجائب.
فكم من جاسوس أو معتدٍ أو سارق أو قاتل أجنبي في بعض دولنا تم العفو عنه بعد محاكمته أو قبلها نتيجة ضغوط وتدخلات وربما تهديدات، وكم من مجرم أجنبي لجأ إلى سفارة بلده فنال الحصانة من أي سوء، وكم من حملات إعلامية كبرى تثار ضد العرب والمسلمين لو أسييء إلى بعض الغربيين ، بل لا يمكن أن ننسى كيف أن الصهاينة يتبادلون السجناء العرب برفات مواطنيهم وجنــودهم الذين قضوا نحبهم منذ سنوات! لايمكن أن ننسى مثلاً محاكمة الممرضات البلغاريـات اللاتي قمن بحقن عشـرات الأطفال في ليبيا بفيروس الأيدز عن سـبق إصرار وتعمّد ، لايمكن أن ننسى مثلاً تدخل رؤساء دول لمجرد خطف أحد موظفيها أو صحفييها أو عمالها في العراق .
وحالياً لايمكن أن ننسى القصف الجوي والمدفعي والاجتياح الأرعن للقوات الصهيونية والحملة الأمريكية والأوروبية والأممية المتحدة ، وكذلك – للأسف الشديد – والحملة العربية المحمومة جميعها من أجل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المخطوف ” جلعاد شوليت ” بينما تغصّ سجون الاحتلال اليهودي بأكثر من عشرة آلاف معتقل فلسطيني غالبهم من الأطفال والنساء والشباب من دون أن يكون لهم أبواق شبيهة بالأبواق المتباكية على مصير هذا ال” جلعاد “.
عندما يُقتل الفلسطيني على مدار الساعة أو يكون هدفاً مســـتباحاً هو ومنزله وأبناءه وأحفاده وكل أسرته ، لا تفرق الدبابـــة أو البلدوزر بين كبيرهم وصغيرهم ، ولابين شيخهم ومريضهم ، ولابين رجالهم ونســـائهم ، فهنا القتــل مشروع ومبـــاح ولاعلاقة له بالإرهـاب ، ولايســتدعي الإدانة ولا التنديــــد . وعندما يُعتقل في مداهمات الفلسطيني المعزول من السلاح الآمن في منزله ، ووسط عائلته وأهله ثم يُزجّ به في غياهب السجون الصهيونية لسنوات تطول ولاتقصر ، ومن دون أية محاكمات أو حقوق فذلك إجراء مشروع . أما إذا دافع الفلســـطينى ورد الاعتبار لنفسه وانتقم انتقاماً طبيعيــــاً لمن قتل والده أو أمه أو ابنه أو أحد أفراد عائلته أو دفاعاً عن أرضه وعرضـــه وشرف مقدسـاته فإن كل ذلك يعتبر إرهاباً وسـلوكاً عدائيـــاً غير مقبول ويستحق فاعله الإعدام الفوري أوالملاحقــة فى أي مكان يتواجـــد به ، وغالباً ما يكون عمله ومقاومته هدفاً لبيانـــات اســـتنكار وتنديد الســلطات الفلسطينية والأنظمة العربية التي عادة ماتسبق غيرها من البيانات الصهيونية والأمريكية . وأما إذا اختطف الفلسطينيون جنديا صهيونياً مدججاً بالسلاح فإن العالم يضجّ من أجله وتتحرّك الآلات العسكرية والإعلامية والدبلوماسية لصالح عيونه بينما لابواكي للآلاف من معتقلينا الفلسطينيين بما فيهم حرائن وأطهار نسائنا اللاتي صرخت إحداهن في يوم ما ” وامعتصماه ” عندما عبث أحدهم من ذات السلالة اليهودية القذرة بشرفها فلم يجد خليفة المسلمين ” المعتصم بالله ” ردّا لصرختها أفضل من تسيير جيشه لنجدتها ونصرتها .
غالب الظن لو أن تصريحات رســـمية صادقة فقط – وليس ردود كردود ” المعتصم بالله “- صدرت عن عواصمنا تطالب بتوفير الحماية لأبنائها ومواطنيها في فلسطين كما في العراق كما في أي مكان بالعالم ، وبيانات أخرى صدرت عن نقاباتنا ومؤسساتنا الأهلية ومؤسساتنا التشريعية الوطنية، أو المؤسسات التي يفترض فيها تمثيل الأمة العربية أو الإسلامية، ولو أن سفراء الدول العربية والإسلامية، لدى الولايات المتحدة قد أجمعوا أمرهم واجتمعت كلمتهم واعترضوا على هذا النوع من الحصار والإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون . لو أن أنظمة دولنا العربية والإسلامية نفضت أيديها عن جرم المشــاركة أو التواطؤ – الخفي أو المعلن – في محاصرة حكومــة حمـاس ( خيار الشعب الفلسطيني ) . لو أن أنظمتنا العربية والإسلامية أطلقت حملة دولية – حتى بنصف أدوات حملة الجندي جلعاد – عن عشرة آلاف معتقل فلسطيني ، لو أن شيئاً من ذلك حدث فأغلب الظن أن النتيجة كان يمكن أن تصبح مغايرة عن واقع الذل والاستكانة المرّ، وهذا الترجيح كان سيصبح يقيناً لو ضمت المواقف الرسمية صوتها إلى صوت احتجاج شعوبها وأهلها . وأخيراً لو أن شيئاً من ذلك حدث لانطبقت في الدول العربية مقولة “توماس دو كونينك” بأن ” الإنسان فوق كل ثمن “.