راصد

البتـول عبــير الجنابي

عندما كتبت في الأسبوع الماضي عن حادثة اغتصاب ” كيتي جينوفيس  ” وقتلها في مدينة نيويورك أمام مرأى ومسمع أكثر من (38) شخصاً من جيرانها الذين لامست أسماعهم استغاثاتها وصرخاتها لكنهم فضلوا اتخاذ موقف المتفرجين عوضاً عن شجاعة الناصرين ، وتساءلت في ذاك الموضوع : ماهي الظروف التي يساعد الناس فيها بعضهم بعضاً في عصرنا الحالي ؟ إنما كنت أعني أن تلك الحادثة التي حصلت في نيويورك عام 1964م تتكرر نفس تفصيلاتها ، وبصور أبشع عندنا اليوم في بغداد وغزة وبيروت ، وإن ال (38) شخصاً من جيران ” كيتي جينوفيس  ” الذين رأوا جلاّدها يغتصبها وتجاهلوا استغاثاتها حتى أسلمت روحها وماتت ؛ لايختلفون عنّا كثيرا إن لم نكن نحن أسوأ منهم باعتبار أنهم خذلوا وجبنوا عن نصرة واحدة فقط هي ” كيتي جينوفيس  ” بينما أمثالها في محيطنا ومجتمعنا العربي والإسلامي كُثر ؛ مات الضمير والإحساس إزاءهم ، ومن ذلك قصة العذراء ذات الخمسة عشر ربيعاً ، عبير قاسم حمزه الجنابي ، التي تسكن في المحمودية شمال شرق بغداد، لها قصة من آلاف القصص التي تشعرنا بالذل والهوان . اغتصبها الأمريكيون بدم بارد، ثم قتلوها ، ثم أحرقوا جثتها، وقتلوا أختها الصغيرة هديل، وأباها قاسم، وأمها فخرية طه محسن في شهر مارس من عام2006م .

وقد جسد مأساتها عبدالله الخليوي في هذه القصيدة الرائعة :

هذي الحكايةُ قد أتتنا
عبرَ موجاتِ الأثيرْ
أبطالُها لا يُعرفون
وربُّها ليس الشهيرْ
كانوا يعيشون الحياةَ
كانوا يعيشون الحياةَ
بفنائه رمانةٌ…والفرشُ
من عودِ الحصيرْ

كانت عبيرُ كزهرةِ
التفاحِ تطفحُ بالعبيرْ
لم تقتنِ سيارةً أو
ذلك الفرشَ الوثيرْ
لم تلبسِ الألماسَ يوماً
أو ترى ثوبَ الحريرْ
لم تشترِ ما تشتهي ..
لم تملكِ المالَ الوفيرْ
كانت تعيشُ فقيرةً
تقتاتُ من خبزِ الشعيرْ
كانت لها أرجوحةٌ،
كانت كعصفورِ صغيرْ
كانت عبيرُ صغيرةً ..
كفراشةٍ دوماً تطيرْ
كان الجميعُ يحبُّها ..
الأمُّ والأبُ والعشيرْ
كانت لها أمٌّ تراعيها
وكان لها سريرْ
كانت تفيضُ براءةً في
ذلك الزمنِ المريرْ
كانت ترافق أختَها
دوماً على شطَّ الغديرْ
كانت غراساً صالحاً ..
كلُّ الكفوفِ لها تشيرْ
كانت تحبُّ الخيرُ في
الدنيا وترأفُ بالفقيرْ
كانت تصلي فرضَها
وتصومُ في حرِّ الهجيرْ
وترتلُ القرآنَ دوماً في
المساءِ وفي الظهيرْ

كانتْ تشعُّ نضـارةً
وكأنها القمرُ المنيرْ
كانت تبرُّ بأمها،
وبأمرها دوماً تسيرْ
حتى أتى الباغي وفجَّرَ
ذلك الحلمَ الكبيرْ
دخل العدوُّ مدججاً
بالطائرات لها هديرْ
حصدوا برشّاشاتهم
الأمَّ والأبَ والصغيرْ
كان العطوفَ بأهلِه..
كان المنادمَ والسميرْ
دخلوا عليهم واستباحوا
حرمةَ البيتِ الصغيرْ
هتكوا الستارَ ودنّسوا
عرضَ العفيفةِ كالحميرْ
هجموا عليها عنوةً
وتناوبَ الحشدُ الكبيرُ
لم يرحموا نظراتِها أو
ذلك الدمعَ الغزيرْ
لم يحفلوا بصراخها أو
بالبكاءِ أوالصفيرْ
قتلوا براءتها وخانوا ..
يوم أن عزّ النصيرْ
ودماؤها تجري وتنزفُ
في السرير لها خريرْ
في خسةٍ ونذالةٍ هيهات
ليس لها نظيرْ
رباه قد عاثوا فساداً..
ربّاه قد خان الخفيرْ
والجحفلُ الغازي يعربدُ

يومَ أن مات الضميرْ
ما بين جرحٍ نازفٍ أو
مستجيرٍ أو أسيرْ
قد كشّروا أنيابَهم في
ذلك البلدِ الحسيرْ
عاثوا فساداً في العراق
بلا حسيبٍ أو نكيرْ
جلبوا علينا بالعتادِ
وبالرجال وبالنفيرْ
حشدوا الجيوشَ وأرسلوا
لعراقنا الجمعَ الغفيرْ
قل لي بربك مابنـا..
ماذلك الصمت المثيرْ؟!
الكفرُ قتّل أهلَنا في
ذلك الزمن العسيرْ
نغضي ونكتمُ غيظَنـا ..
وجناحُنا دوماً كسيرْ
بالأمس كنا سادةً
واليوم في الصف الأخيرْ
ياربِّ أهلكْ جمعَهم ..
وتولّهم أنت القديرْ
هذا الصليبُ يبيدُنا..
وعلى مرابعنا يغيرْ
هذي الجموع تكالبت ..
يا إخوتي جاء النذيرْ
ياربّ فادفعْ شرَّهم
عن أهلنا أنت المجيرْ
ياربّ فارحمْ ضعفَنا
بك نستغيثُ ونستجيرْ
واغفرْ ذنوبَ الخلقِ في
اليوم العبوسِ القمطريرْ

أنت العليمُ بحالنا
وإليك ياربِّ المصيرْ
لكنَّ دينَ الله باقٍ
هكذا قال البشيرْ
هل ننصرُ الرحمنَ حتى
يأتيَ النصرُ الكبيرْ؟!

وهكذا ماتت عبير بعدما انتهكت عذريتها وسالت دماء بكارتها جنباً إلى جنب مع دمائها  ، باسم الحرية والديمقراطية ؛ وكم من عبير في العراق اغتصبت على يد الاحتلال!! كثيرات أمثال عبير في العراق كما في فلسطين كما في لبنان ذهبت أرواحهن إلى بارئها شاكية الظلم وهاجسها كصراخ عبير ” وامعتصماه”… فيا ويح الذين سمعوها وهي تغرق ، وياويح الذين سمعوها وهي تُقتل ، وياويح الذين سمعوها وهي تُغتصب ، وياويح الذين تركوا دماءها تسيل على كل جسمها ومنها دماء بكارتها  التي هي بكارة الشعب والحكومـة وبكارة الأنظمة والشعوب العربية والإسـلامية  .

أضف تعليق