سألني بالأمس أحد القراء الأعزاء على إثر نشري مقالتين عن التمثيل البرلماني وأهمية أن يعرف الناخب المهام والدور المطلوب من النائب البرلماني قبل أن يدلي بصوته لمترشح نيابي ليس في برنامجه وبضاعته ووعوده الانتخابية سوى أمور بلدية وخدمية وخيرية ليست ضمن صلب اختصاصاته أو المطلوب منه أدائها دستورياً وقانونياً فضلاً عن تواضع إمكانياته ومؤهلاته ليس لتمثيل الناس والنيابة عنهم تحت قبة البرلمان فحسب وإنما كذلك في المحافل والأنشطة البرلمانية الخليجية والعربية والدولية . السؤال كان : لماذا لايترشح عندنا للبرلمان وزراء أوسفراء أوخبراء ومستشارون أورجال قانون ومحامون أو أطباء أو رجال اقتصاد أو رؤساء وأساتذة جامعات أو مدراء بنوك ومؤسسات مالية واقتصادية ؟ وقبل الإجابة أود التأكيد أن هذه التخصصات والخبرات التي سأل عنها القاريء الكريم ؛ هي وأكثر منها إنما تُشكّل عماد وأركان أي مجلس نيابي وتشريعي في أغلب الدول المتقدمة ذات الديمقراطيات العريقة . وذلك لما للتشريع والرقابة من أهمية لايتم تسليمها هناك إلاّ للنخبة القادرة والمؤهلة من المجتمع فضلاً عن الفصل الواضح في تلك الدول بين مهام مجالسهم التشريعية ومهام المجالس البلدية أو الإدارة المحلية بحيث لايطغي هذا على ذاك ولايتداخل معه ، بل وليس في وارد الكلام أوالتفكير هناك عن أي خلط يمكن أن يحصل بين هذه المهام والمسؤوليات ، ناهيك عن أن الناخبين هناك يدركون مَنْ ولماذا ينتخبون للبرلمان ، ومَنْ ولماذا ينتخبون للبلديات والإدارات المحلية .
أما لماذا يُعرِض أهل الاختصاص والخبرة والندرة عندنا عن الترشح للبرلمان فمردّه إلى ثلاثة أسباب : أولها وأهمها – مثلما أسلفنا – ضعف الوعي والثقافة السائدة عن مهام ودور النائب البرلماني وحصره أو قصره على بضع مسؤوليات خدمية وبلدية ومطلبية في دائرته يُقاس أدائه وإنجازه بمقدار ما ينفذه من تلك المسؤوليات والخدمات غير المختص بها أصلاً . ونتج عن ذلك أن الذي يتقدّم صفوف المترشحين للمجلس النيابي هم أصحاب الخبرة والسبق – مع كامل احترامي وتقديري لهم – في التواصل مع الناس في دوائرهم والأكثر قدرة على التعامل مع متطلباتهم ومتابعة احتياجاتهم ، سواء من خلال المساجد أو الديوانيات أو اللجان الأهلية أو الصناديق والجمعيات الخيرية أو ما شابهها بغض النظر عن أية مؤهلات وتخصصات لم يكن أصحابها في هذا المجال، ولم يكن في وارد تفكيرهم واهتماماتهم ولوجها أو لا تتناسب بعض تحركات هذا التواصل الخدمي مع مناصبهم ومراكزهم الوظيفية أو العلمية أو الفنية . وبالتالي حتى الكتل النيابية والجمعيات السياسية تجد صعوبة في إقناع أو الدفع في هذا المعترك بكفاءاتها وكوادرها من أصحاب المؤهلات الأكاديمية العالية والتخصصات الرفيعة والخبرات لمعرفتها المسبقة بأن الوعي الجمعي الحالي للناخبين قد لايتفهم وظيفة وحاجة العمل النيابي للعلم والمعرفة والخبرة والتخصص والتنوع بقدر ما تستقطبه الخدمات والمتابعات البلدية والمرفقية والخيرية مما هي في غالبها أعمال – في الحقيقة –ليست رئيسية للنائب البرلماني ، ولاعلاقة له بها ، أو هكذا يُفترض .
ثانياً : تزايد الصعوبات والضغوطات المعيشية التي تصادف حياة الناس ، وتأخر أو سوء الخدمات والمرافق في بعض الدوائر والمناطق بحيث أن العلاج والمساعدة والاستجابة اللحظية والسريعة لحاجاتهم ومتطلباتهم جعلت من يقوم بها أو يكون سبباً لتحقيق بعضها أو يوفر للمعوزين والمحتاجين مكيف أو ثلاجة أو حتى ( لابتوب ) هو أقرب – بغض النظر عن مؤهلاته وتخصصه وكفاءته وخبرته – لنيل أصوات الناخبين ورضاهم من غيره ، ولو كان هذا الغير أفضل وأكفأ منه وأصلح للقيام بالمهام والأدوار المطلوبة دستورياً وقانونياً من النائب البرلماني .
ثالثاً : رغم كل ما قيل ويجري الترويج له ،– عن جهل أو مبالغة أو بدون قصد أو بتعمّد – عن مكافآت وامتيازات النواب فإنها في المحصّلة لاتستقطب الكفاءات والتخصصات والمؤهلات العالية والتي تتقاضى في وظائفها ومراكزها الحالية رواتب بآلاف وربما عشرات الآلاف من الدنانير ممن لاتستطيع أن تتنازل عن وظائفها وتستقيل عنها من أجل مكافأة قدرها ألفين دينار فقط ، هي ما يتحصّل عليه النواب شهريّاً . بينما مدراء في القطاع الحكومي يحصلون على نفس هذا الراتب ! أقل أو أكثر ، وبينما مذيع أو مقدّمة حلقة تلفزيونية يحصلون على ذات المكافأة عن كل حلقة !!
وبالتالي ، ونظراً للأسباب الثلاثة الآنفة الذكر سيظل الوزراء والسفراء والخبراء والمستشارون ورجال القانون والمحامون والأطباء ورجال الاقتصاد ورؤساء وأساتذة الجامعات ومدراء البنوك والمؤسسات المالية والاقتصادية وأمثالهم ممن تحتاج لهم المهام الأصلية والحقيقية لأي برلمان ( التشريع والرقابة ) بعيدين لأجل غير معلوم عن قوائم المترشحين النيابيين