راصد

“إذا كتبت فقمّـش”

قال المحدث الشهير أبو حاتم الرازي  ، وهو من أعيان القرن الثالث الهجري (إذا كتبت فقمّش، وإذا حدثت ففتش)، وجاء في المحيط : قمش القماش أي جمعه من هنا وهناك . وتكريماً للرازي واعترافاً بجهود المحدثين وفضلهم على علم التاريخ صار من الواجب أن نسمي أولى خطوات المؤرخ المدقق المنقب (التقميش)، فنقول على المؤرخ قبل كل شيء أن يُعنى بـ ( تقمي) الأصول لأنه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. وفي العموم فإن دلالة هذه العبارة المشهورة في علم التاريخ وعلم الأصول هي الدقة في البحث عن الوثائق والمستندات.

قفزت هذه العبارة إلى ذاكرتي في هذه الأيام أمام الهجمة التي يقودها البعض ضد الإسلاميين بمناسبة قرب الاستحقاق الانتخابي ورميهم بكل نقيصة واتهامهم بأنهم وراء كل خراب أو تأخير أو فشل أو ما إلى ذلك من غثاء محموم يخرج أصحابه عن اتزانهم وهدوئهم فتغيب عن مقالاتهم وأحاديثهم التحليلات والدراسات وتتحوّل إلى مجرّد أمنيات وتنفيسات آن أوان البوح بها بعد كتمها لأربع سنوات  ، وذلك أملاً في التشويش والتدليس والتأثيرعلى خيارات الناس .

وفي خضم هذا الهجوم المتوقع زيادته نكتشف بين حين وآخر تناقضات ماكان لهذا البعض أن يقع فيها لولا أن هذه الحمّى – حمّى التعريض بالإسلاميين وتسقيطهم وتمني زوالهم – صارت تسدّ النظر وتمنع السمع وتشلّ العقل فضلاً عن نسيانها لقواعد هامة في العدالة والحيادية والموضوعية ناهيك عن أخلاقيات مهنية ينبغي عدم ذبحها على هذا النحو الفجّ .

من هذا التناقض الفاضح ، هو أنه في بداية الشهر الحالي صدر عن صاحب الجلالة الملك المفدى قانون رقم (32) بشأن كشف الذمة المالية حيث تلقفه هذا البعض بالإشادة والثناء ووصفوه بالإنجاز التاريخي ، واعتبره البعض حماية جدية للاقتصاد الوطني وأكدوا أنه تعزيز لثقافة مسؤولة ومعايير الشفافية الدولية وخطوة جبارة لمكافحة الفساد وعدم استغلال المنصب ، وقال بعضهم إن هذا القانون إضافة حضارية ترفع من سمعة البحرين وتدعم عمليات استقطاب الاستثمار إليها ، وما شابه ذلك من كلمات وعبارات إشادة وإطراء من دون أي إشارة إلى أن صدور هذا القانون إنما جاء بناء على اقتراح بقانون من مجلس النواب ، قدّمته كتلة المنبر الإسلامي وساندته كتل الأصالة والوفاق والمستقبل وبقية أعضاء المجلس ، ثم أخذ دورة إجراءاته المقررة إلى أن اعتمده وأصدره جلالة الملك المفدى وصار قانوناً نافذاً .

على أن الأغرب من ذلك ، ولزيادة التناقض هو أن بعض الوجوه والأقلام التي امتدحت قانون الكشف عن الذمة المالية ورفعت من شأنه في كتاباتها وتصريحاتها وعدّته إنجازاً حضارياً وتاريخياً هاماّ تعود بعد يوم أو يومين لتواصل تصفيرها مجلس النواب من الإنجازات وبأن الإسلاميين هم العقبة وأنهم لم يعملوا شيئاً مع أن ما اعتبروه قبل يوم أو يومين إنجازاً حضارياً وتاريخياً – قانون الكشف عن الذمة المالية – إنما هو عمل وإنجاز محسوب للإسلاميين في البرلمان ، وذلك بحسب الوثائق والمستندات التي من المهم أن ندعو الجميع في هذه الأيام إلى ( تقميشها ) عملاً بالقاعدة العلمية المشهورة الواردة في الأثر ” إذا كتبت فقمّش ” بدلاً من ” إذا كتبت فنفّس ” أو ” إذا كتبت فدلّس ” أو ” إذا كتبت فأخفي “. وللموضوع بقية ..

أضف تعليق