من الضروري أن يرتقي خطاب وحملة أي مترشح للانتخابات إلى مستوى يجعل التنافس حول برامج وخطط وليس حملة تسقيط أشخاص وتشهير وتسفيه ، تغيب فيها الأخلاق وتُذبح المنافسة الشريفة ، وذلك باعتبار أن المخرجات النهائية للانتخابات إنما تفرز برامج وليس مجرّد أشخاص ، أو هكذا يُفترض لولا أن هذه المثالية اعتدنا في دولنا العربية والإسلامية أن تبقى غائبة عن الحضور في خضم أجواء الانتخابات التي تتسم في دولنا بالمشاحنات والتوترات والانحدار نحو الشخصنة بينما في الدول المتقدمة تكون الانتخابات ساحة سانحة للمناقشات والندوات والأطروحات وعرض برامج عمل وإصلاح ومعالجات يقدمها المترشحون بمختلف أحزابهم وكتلهم وتوجهاتهم بحيث ينشدّ لها ويستمتع بها الناخبون وتستقطب دوائر القرار ومؤسسات رسم السياسات وتنال اهتمام الجامعات ومراكز البحوث ، وبالتالي يكون أمام الناس خيارات سياسات مستقبلية في السياسة ، وفي الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن والإسكان والقوى العاملة يستطيعون المفاضلة بينها .
وتبعاً لذلك فإن أجواء المنافسة الانتخابية في الدول المتقدمة ، ذات الديمقراطيات العريقة لامجال فيها للمشاحنات والمشادات والشخصنة و( التهريج الإعلامي ) والغمز واللمز والكيد والطعن بالمنافسين ، وبالتأكيد ليس في وارد اهتمام المترشحين وفرق عملهم الانتخابية شراء أصوات وتوزيع رشاوى بالصور التي نراها ، وإنما تذهب جلّ أوقاتهم وجهودهم وتُستنزف غالب ميزانياتهم في تسويق برامج والدفاع عنها وإقناع الناخبين بها بعيداً عن شؤون المنافسين أو الحطّ من أقدارهم وشخوصهم وبث إشاعات حولهم وما إلى ذلك من أمراض انتخابية قد تأخذ مكان الصدارة في الحملات الانتخابية عندنا ، وتنهدم بسببها علاقات وتتقطع وصلات دينية واجتماعية – وربما عائلية – وتنشحن نفوس ضد بعضها وما شابهها من أمور لم تكن لتحدث لو أن الحملات الانتخابية أخذت وضعها الطبيعي المفترض ، وهو تسويق برامج وخطط وليس أشخاص .
ما أقوله عن حال الحملات الانتخابية في الدول المتقدمة ليس من تأليفي أو من بنات أفكاري ؛ إنما هو واقع هنالك لايمكن إغفاله ويكفينا الاستدلال في هذا الخصوص بموضوع الدكتورة سامنتا باور ، وهي أستاذة جامعية ، وكاتبة صحفية ، وأكاديمية متخصصة في حقوق الإنسان بجامعة هارفارد اختارها الرئيس باراك أوباما كمستشارة للشؤون الخارجية ضمن فريق عمله الانتخابي أثناء الانتخابات الرئاسية عام 2008م . وكان جميع أعضاء فريقه الانتخابي بهذا المستوى الأكاديمي والعلمي والسياسي حتى أسموهم آنذاك ( الواقعيون الجدد ) .
لكن الدكتورة سامنتا باور ارتكبت حينذاك خطأ فادحاً ، خارج عن المألوف ، وغير مقبول في أدبيات ومواثيق الحملات والعمل الانتخابي في تلك الدول حيث وصفت منافسة باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية آنذاك السيدة هيلاري كلينتون بأنها ” وحش ” خلال مقابلة لها مع صحيفة “ذي سكوتسمان” البريطانية ، وهو الأمر الذي أثار حفيظة المراقبين وتذمّر الناخبين وكذلك استياء حتى العاملين معها في حملة مرشحها آوباما ، لا لشيء سوى إطلاقها هذه الكلمة ( وحش ) على المترشح المنافس (هيلاري كلينتون ) فلم تستطع الصمود أو تفسير أو تبرير سبب تلفظها بكلمة ” وحش ” فقدمت استقالتها على الفور ، بعد ساعات قليلة فقط ، في ذات اليوم التي نُشرت فيه المقابلة . تصوّروا أنها استقالت لمجرد أنها تفوّهت بكلمة ” وحش ” فقط !! ونترك للقراء الكرام مسألة المقارنة ، مقارنة الحملات والتصريحات وفرق العمل الانتخابية ، هنا وهناك …