أخشى أن تكون القاعدة القديمة “خالف تعرف” أعيد اكتشافها وتجييرها هذه الأيام لترويج الأفكار وكسب قطاعات متزايدة من المؤيدين . فخبراء التسويق لاحظوا أن المستهلك العادي لم يعد يميز بين آلاف الماركات الموجودة في السوق لنفس المنتج، فالهاتف النقال أو السيارات أو حتى الشامبو (مثلاً) ، هي سلع ظهر منها آلاف الأشكال والأنواع بحيث لم يعد الإنسان العادي يرى فرقاً يجعله يقتني ماركة دون أخرى ، وبالطبع تحرص أي شركة على تمييز منتجاتها من خلال الديكور الخارجي وإلصاق بعض الصفات الدعائية بها ، ولكن حتى هذه الوسيلة أصبحت شائعة لدرجة فقدت فعاليتها، الحل الجديد هو لفت انتباه الزبائن بابتكار شيء مختلف تماماً لمجرد التميز عن بقية المنتجات فهناك علاقة طردية بين التميز عن الآخرين وزيادة نسبة الانتشار بين المستهلكين !
أولئك الذين ينسبون لأنفســهم في هذه الأيـــام أشــياء كثيرة ليســت ملكا لهم ، ويحتفلون بها ، ولا علاقة لهم بها ، حتى تصبح لهم قيمــة بين النـــاس ! تراهم قد استساغوا وضع الساق فوق الســاق ، ولبس الطربوش التركي الأحمـــر، ( لافرق بينه وبين العقال ) وإمالتــه على جانب من رأســـها بطريقـــة كوميديـــة، كما كان يتكــرر هذا المشــهد في الأفــلام العربيــة القديمـــة ، وفي المقــاهي لهم صولات مع الشيشــة والنارجيـلة التي تنفث دخــانها ســمَاً لا يزيــد العقــول إلا ضـروباً مختلفة من العجـــز والخبــال وتتركهم مع غناء المقــاهي ( يا ليل ياعين ) في صورة ( ولاأروع ) لموات الفكر والنفس .
هذه الفئات نفسها لا تتورع اليوم عن تصدَر المجالس والديوانيات والمنتديات أو تتربع على منابر المحاضرات والاحتفالات ، تارة تنظَر لمستقبل وتارة تحلَل وتحرَم وأخرى تؤرخ لماضي . حتى بعد هذا العمر المديد – إن شاء الله – وبعد أن شاخت تلك الأقلام أو الأصنام قبل أوانها، تراها ترفض أي نوع من أنواع التطور أو التراجع عن أفكارها وتوجهاتها بعدما أصابها ما أصابها من أنواع الهزال والبلى ، وصارت تكابر حتى في تسليم نفسها لمباضع الجراحين لترميم عيوبها ، وترقيع تشوهاتها ، أو تقبّل أي محاولات جادة لإعادتها إلى طور الصبا من جديد، مؤمنة بأن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر! فلا هي طالت عنب اليمن ولا بلح الشام .
تقوم هذه الفئات بهذه الأدوار التي تسميها تنويــرية برغم أن القطار قد فاتها ، وأن العالم من حولها قد تغير وتبدل ، وأن الوعي الجماهيري قد فاق من غفلته أو صحا من غفوته وصار الناس يستطيعون بإدراكهم ووسائل معرفتهم التمييز بين الغثَ والسمين ، ولاسلطان لدفعهم نحو أي الخيارين إلا ســلطان العقل وما يرونه على الأرض حقيقة وواقعاً من الصدق والنزاهة . فلا مجال بعدئذ لمن يريد إعادة التأريخ لأمجاد وهمية لا مكان لها سوى مخيلته .