راصد

التخلي عن الكراسي

وحدها حركة حماس ، وهي العمود الفقري للمقاومة الباسلة في أرض الأقصى المباركة وطليعتها ، كانت مضيفة إلى سجل الشرف والعطاء مزيدا من الصفحات الناصعة والعديد من الملاحم البطولية التي شلَت الكيان الصهيوني وأوقعت في صفوفه من القتلى  خلال عملياتها الجهادية ما لم توقعه الجيوش العربية أبان حروبها الثلاثة مع الكيان الغاصب ، ومن أجل كسر شوكتها تواصلت الجهود المحمومة سواء الأمريكية أو العربية أو حتى الفلسطينية – للأسف الشديد- لوقف تقدمها بعدما حظيت بثقة شعبها وتوجوا جهادها ونضالها بأن أعطوا ممثليها أصواتهم ليكتسحوا الانتخابات النيابية وتم تكليفها بتشكيل الحكومة الفلسطينية ورئاستها ؛ فكان القرار الدولي إسقاط تلك الحكومة وإفشالها مهما بلغت الأثمان ، بالتجويع والحصار الذي كان وسيلتهم لتحقيقه عن طريق الأقربون قبل الأباعد ( وظلم ذوي القربى أشد على النفس من وقع السهام ) .  وحدث ما حدث في قطاع غزة بعدما أنهت حماس وجود الأجهزة الأمنية الفلسطينية المسلطة على رقاب المقاومة والمتعاونة إلى أبعد الحدود وفوق كل التصورات مع الكيان اليهودي حسبما استطاعت حماس كشفه من أدلة ووثائق لا تزال تقول عنها حماس أنه من الأفضل عدم البوح بها حتى لا تُصاب الجماهير العربية والإسلامية بالصدمة لأفعال أبطال أوسلو .

واليوم تضيف حماس إلى تضحياتها في سبيل قضيتها ووطنها فصلاً آخر من فصول المجد والشرف لا يرقى إليه إلا الصادقون ممن تتهاوى أمام نبل مقاصدهم العروش وتتصاغر كراسي الحكم ، ويثبتون للعالم مرة بعد مرة أن الإسلاميين ليسوا طلاّب مناصب ولا يركضون وراء مصالح شخصية أو فئوية أو حزبية كغيرهم من الناس الذين يمكن أن يحرقوا الأرض بمن عليها في سبيل تمسكهم بمناصبهم وبقائهم على كراسيهم .

اسماعيل هنية رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني الذي ترأس الحكومة الفلسطينية عن طريق القنوات الشرعية الدستورية وصدّق على حكومته المجلس التشريعي الفلسطيني ، وهو الذي رأس قائمة التغيير والإصلاح ( قائمة حماس) في الانتخابات النيابية التي جرت في فلسطين واكتسحت هذه القائمة صناديق الاقتراع وسط ذهول من العالم . اسماعيل هنية الذي لأول مرة يرى المواطنون الفلسطينيون مسئولا كبيرا يؤم المصلين ويخطب خطب الجمعة ، وقد واصل هنية خطابته وإمامته بشكل طبيعي بعد رئاسته للوزراء ، وحتى في شهر رمضان الماضي ظل يؤم الناس في صلاة التراويح في المسجد الذي اعتاد أن يؤمهم فيه في مخيم الشاطئ، ولأول مرة يرى الناس مسئولا رفيعا يعيش معهم في مخيم ولم يأت لهم من عواصم الشرق والغرب  أو لم يغير حتى سكنه إلى قصر أو ما شابهه من مساكن لمثل من يشغل منصبه .

ولأول مرة أيضاً يرى المواطنون الفلسطينيون وكذلك العرب والمسلمون عرض اسماعيل هنية تخليه عن منصبه إذا صار ذلك شرطا لازما لفك الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني واستعداده للتخلي عن رئاسة الوزراء إذا كان الثمن الوفاق الوطني .  لم يمنعه من ذلك وهج السلطة وأضواء الكرسي وغيرها من مغريات الحكم والمناصب التي قلّ وندر في زماننا من يتخلى عنها هكذا بالرغم من الفوز الكاسح الذي أهّل حركة حماس لذلك والشعبية الواسعة التي يحظى بها هنية في أوساط الشعب الفلسطيني والشرعية القانونية والدستورية لبقائه في منصبه .

من غرائب الأمور أن يأتي عرض هنية بعد بضعة أيام لقيام سفير فلسطين في الأمم المتحدة بالتعاون والتنسيق مع نظيره سفير الكيان الصهيوني الغاصب لإجهاض مشروع إنساني تقدمت به دولة قطر الشقيقة في مجلس الأمن لإنقاذ قطاع غزة وتسهيل دخول المساعدات الغذائية والطبية والعمل على فك حصاره . أي أنه من الأفضل أن يموت الفلسطينيون جوعاً وحصاراً في سبيل إسقاط حكومة حماس في غزة ، وأن ذلك يكون بترتيب – ياللأسف – بترتيب فلسطيني إسرائيلي .

فقارنوا بين من يسعى للحفاظ على سلطته ولو على حساب موت شعبه وتجويعهم وقبل ذلك على حساب مبادئه وقضيته وبين أن يعلن إسماعيل هنية بنفسـه أنه إذا كان ثمن رفع الحصار عن شعبي والوفاق الوطني هو تركي منصب رئيس الوزراء ؛ فإن هذا المنصب لا يســاوي شيئاً عندي أمام مصلحة شعبي ووفاقه وإنقاذه مما يعانيـه .

قرأت ذات مرة وصفاُ لأحد المراقبين لرئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية بأنه “الرجل المناسب في المكان المناسب في العالم غير المناسب” . ولكن ستبقى حركة حماس وأخواتها من الحركات والجماعات الإسلامية هي الرقم الأصعب وهي الشوكة العصية على الذوبان في مشروع الهيمنة والاستعمار الجديد في وطننا العربي والإسلامي .

أضف تعليق