هناك فرق شاسع بين التسامح والضعف ، فالتسامح قيمة إنسانية عظيمة حملتها الأديان السماوية إلى البشرية فكانت عنواناً للتعارف والعلاقات والمعاملات ، ومرجعاً عند الخلافات والأزمات . ولكن الضعف صفة نكرة تبغضها النفوس السوية وتكره الشعوب والأمم أن تتكيف معاملاتها وفق مثل هذه الصفات النكرة التي تضعف الهيبة وتجرّأ الآخرين على سوء التعامل وتتطوّر إلى الاستبداد والمهانة .
غني عن البيان أن المسلمين إبّان قوتهم وبروز سلطانهم كان التسامح أحد أهم أسباب إعجاب ذوي الديانات والمعتقدات الأخرى بالإسلام ، والتسامح هو البضاعة التي حملها تجّار المسلمين إلى مختلف بقاع الدنيا آنذاك ، سواء قرب حدود الصين أو في أصقاع أفريقيا ، فكان دخولهم إلى الإسلام واعتناق شرعته لما رأوه من حسن تعامل وتسامح المسلمين . وفي ذات الوقت الذي شاع عن المسلمين سماحة شريعتهم لم يكن أحد يجرأ – استغلالاً لهذه السماحة – أن يتعرّض لأبناء المسلمين بسوء ، وهاهو الخليفة العباسي المعتصم بالله يسيّر جيشه لرد الاعتبار لإحدى نساء المسلمين ، وهاهو الخليفة هارون الرشيد ورسالته الشهيرة التي افتتحها بعبارة ( من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نيثابور كلب الروم ، إذا وصلتك رسالتي فانتظر جيشاً أوّله عندك وآخره عندي ) .
في زماننا الآن صار المسلمون من الضعف وقلّة الحيلة في مهبّ الرياح ، وبات قدرهم في الرد على الضربات والهجمات التي تصيبهم الشجب والاستنكار رغم أنهم قد يملكون مايردّون به عن أنفسهم أو حتى يهدّدوا من يفكّر في التجرّأ عليهم ، ولكن صدق القائل ( مالجرحٍ بميّت إيلام ) .
غالباً ما أشعر بالغثيان حينما يتكلم الأمريكان أو من يمثلهم أو من يروج لهم عن سماحة الإسلام ونبذه للعنف والإرهاب ، ويدعون أبناء المسلمين إلى التعايش السلمي ، ويستطردون في ذلك إلى درجة المطالبة بشطب كل ماله علاقة في الدين بمعاني الجهاد والمقاومة لاستخراج جيل من أبناء العروبة والإسلام مدجن لا يقوى على حمل السلاح ، ولايأبه بحالات الغزو والاستعمار .
ولاعجب في ذلك فنحن العرب نمعن في صناعة الكراهية للآخر، هذا هو الآن ما يروج عنّا في الخارج ، فنحن بالإضافة إلى أننا إرهابيون أصبحنا نغذي عقول أطفالنا بالكراهية للآخرين ، وصرنا لا نجيد صناعة غيرها.
نحن العرب مناهجنا متخمة بالتحريض على هؤلاء الآخر ، تعليمنا لايعرف سوى ثقافة العنف والحقد ضد الآخر ، وكأن هذا الآخر قد تنزّه كامل النزاهة عن الإتيان بأي خطأ، وإنه فقير معدم الحيلة ، بريء كل البراءة لايستحق هذه الكراهية ! ولا أدري أي كراهية يمكن صناعتها في هذا الزمان ، أو بذل الجهد لاستجلابها ؟
القتل بلا حساب في العراق كما في فلسطين كما في أفغانستان كما في كشمير كما في الشيشان كما …. إلخ ، لا لشيء سوى أننا صرنا خيولاً لاتصهل ! وأننا مطالبون على الدوام بأن نثبت للعالم – على الرغم من المذابح والمجازر التي ترتكب في حقنا – أننا متسامحون حتى النخاع . فالتسامح يجب ألاّ يبقى حكراً على المسلمين بينما يمعن الآخرون في الإضرار والتنكيل والتمثيل بهم !