راصد

التقرير بين الخزيرة والعصيدة

يقول ابن منظور في شرح معنى ” الخزيرة ” : ” أنها من مادة ( خزر) وهو اللحم الغاب ، يؤخذ فيُقطّع صغاراً في القدر ثم يُطبخ بالماء الكثير فإذا أميت طبخاً ذُرّ عليه الدقيق فخُلط به ثم أدم بأي أدام شيء ” وأما ” العصيدة ” فهي لاتختلف عن ” الخزيرة ” في شيء ، ذات الطبخ وذات المقادير إلاّ أنها بدون لحم . لكنها أفضل وأخف وألذ مذاقاً من ” الخزيرة ” رغم التشابه الكبير بينهما إلى الدرجة التي قد يلتبس على البعض التفريق بين هاتين الوجبتين .

من يستعرض تقارير ديوان الرقابة المالية خلال السنوات السابقة بما فيها هذا العام سيكتشف أن هنالك خلطاً ( غير متعمّد ) بين طرفين تشملهما المهمات الرقابية التي يقوم بها – مشكوراً- ديوان الرقابة المالية يشبه إلى حدّ كبير سالفة ” الخزيرة ” و” العصيدة ” وذلك حينما يأتي التقرير على ذكر الوزارات والمؤسسات المتجاوزة ويستطرد في استعراض مخالفاتها وتعدّياتها على المال العام ، وهي بالمناسبة جهات كثيرة ومتكررة حتى ليتصوّر المرء أنه لم تبق جهات أمينة ونزيهة سلِمت من هذه التجاوزات والتعدّيات . بينما واقع الأمر يقول : لا ، بل هناك مؤسسات ووزارات قام ديوان الرقابة المالية بالتدقيق على أعمالها وتوصل إلى سلامة أنظمتها وإجراءاتها وبراءة ذمتها واطمأن إلى محافظتها على المال العام غير أنه لم يبرزها في التقرير الصادر عنه ، فضاع تقديرها وحقّها من البيـان واختفى اسمها وجهدها لا لشيء سوى أنها ” عصيدة ” بدون ذلك اللحم الذي يتسابق ويتصارع عليه الآكلون للـ ” الخزيرة”

ولذلك  نشكر ديوان الرقابة المالية على جهودهم ومهماتهم الرقابية النبيلة وندعوهم إلى ضرورة التفكير في آلية لإبراز حقوق تلك الجهات والإشادة بإخلاصهم وحرصهم ونظافة سجلاتهم من المخالفات و( الريبات ) أو أن يتصدر تقريرهم لوحة شرف تتضمن أسماء تلك الجهات بحيث تفصل بين ” الخزيرة ” و ” العصيدة ” ولايضيعان في بعضهما خاصة بعدما تبدّل الحال وصارت الأمانة والنزاهة وتطبيق الأنظمة واتباع اللوائح هي الاستثناء وليست هي الأصل والنظام العام أو الشأن الأخلاقي الطبيعي المفترض توافره ابتداء في سائر الجهات والمؤسسات .

 ألف شكر ، وألف تقدير للوزارات والمؤسسات التي حرصت وحافظت وطبّقت ثم اجتازت بسلام تدقيق ورقابة ديوان الرقابة المالية وتحتاج إلى من يذكرها ويشيد بها لعلّها تكون في موضع الاحتذاء بها والتسابق لبلوغ ” مواصيلها ” .

أضف تعليق