راصد

التكريم والسلّم المائل

لأن سلَم أولوياتنا مائل وقائمة اهتماماتنا ناقصة ، صار من الطبيعي أن يموت العالم أو الشاعر الهمام فلا يعرف بموتهم أحد ، أو يبدع أحد الباحثين أو يكتشف أحد الموهوبين أو يفوز أحد المبرزين في مجالات العلوم والمعرفة فلا يأبه بهم أحد .

فالأمر لا يقف عند حدود المهرجانات أو الملتقيات بقدر ما أصبح سلوكا مجتمعياً طاغياً أفلت فيه الثقافة وانحسر عنه الفكر ، وتهمش دور العلماء والمثقفين والمفكرين وإنتاجهم الذي غالباً لايجدون من يعرفهم أو لا يُشار إليهم بالفضل والبنان إلا فيما ندر ، وعلى استحياء . في المقابل برز نجم الفنانين والرياضيين و…إلخ ، وأفردت لهم صفحات ومجلات وملاحق ، بل وحتى قنوات فضائية خاصة بهم . لا أحتاج للتدليل على ذلك سوى أن تقارنوا كيفية تناول وسائل إعلامنا لخبر وفاة فنان ووفاة عالم – لا أعني هنا فقط عالم دين – بل في مختلف صنوف العلم والمعرفة .

لايوجد مانع في تكريم ، وحتى الحرص على تكريم فنانين وممثلين ورياضيين ، فهؤلاء قد يكون لهم جمهورهم وإسهامهم ودورهم في رفع اسم البحرين ، ولكن يجب ألا نبخس الآخرين حقوقهم ونصيبهم من التكريم خاصة أولئك الذين في الحسابات الجادّة يكونون أفضل إنجازاً وأكثر عائداً من أولئك الذين تُصرف لمكافئتهم آلاف الدنانير وتُفرد لهم أماكن بارزة في وسائل الإعلام .

ولايخفى على أحد أن عدداً لايُستهان به ممن يستأثرون بالتكريم في أيامنا هذه من اللاعبين والفنانين ومن في فلكهم لم يكملوا حتى تعليمهم ولم يتحصلوا على أية شهادات جامعية ، ومع ذلك هم من الشهرة والنجومية وحظوة التكريم ما يدفع بالكثير من أبنائنا للتساءل عن أهمية مواصلة التعليم والجدية في التحصيل في ظل الاهتمام المتزايد بأولئك ، وفي ظل المفاضلة الواضحة بين من يُبدع هناك ومن يُبدع هنا ، بل وفي ظل الإهمال والنسيان اللذين يمنعان أية محاولات للإبداع الحقيقي في شتى صنوف العلوم والمعرفة ويقتلان أية مبادرة للتفوق والبروز طالما أن السلّم لايزال مائلاً في اهتماماته وأولوياته .

ونحسب أن في وطننا نماذج عديدة وكُثر تغصَ بهم مؤسساته العامة والخاصة  غطّاهم الغبار وقتلت موهبتهم وإبداعاتهم عدم الثقة في قدراتهم وإمكاناتهم ، وقضت على أمنياتهم دواعي الإحباط وعدم التشجيع وأفنت طموحاتهم وتطلعاتهم مايحظى به غيرهم من تكريم واهتمام ضمن السلّم المائل  فأصبحوا تبعاً لذلك قوالب جامدة بليدة ، لا تعطي ولا تنتج ولا تفكر ولا تبدع ، وقد تتحسّر أن المولى عز وجل لم يرزقهم بصوت جميل للغناء والطرب أو لم يجعل لهم جسد وقوام صالح للرياضة أو حتى للرقص !!

أضف تعليق