أعرف أن البعض قد يتحسّس وربما (يزعل ) حينما أكتب أكثر من مرّة في هذا العمود المتواضع عن الدور الحقيقي والمفترض للنائب البرلماني ، والذي يتمثل في التشريع والرقابة ، ويكون لهما وحدهما سائر جهوده وأوقاته ، ولأجل هاتين المهمتين يتفرّغ باعتبارهما مانصّ عليه الدستور والقانون والأعراف البرلمانية من مهام محددة للنائب ومنوطة به دون غيره أو غيرها . وبالتالي يكون انتخابه من قبل الناس كونه أفضل من يمثلهم وينوب عنهم في أداء هذه المهام ، وهي التشريع والرقابة ، بدلاً من أن يكون انتخابه كأفضل من يخدمهم في مناطقهم ودوائرهم بأمور وأشياء هي غالبها مهمات لها جهاتها وممثليها وقنواتها ومؤسساتها وأجهزتها التي تقوم بها ، وليس من بينها النائب البرلماني ، أو هكذا يُفترض دستورياً وقانونياً لولا أن الوعي الجمعي للناس قد تم اختطافه وحرفه – بقصد أو من دون قصد – تجاه تشابك مهام وممارسات النائب البرلماني والعضو البلدي والمحافظ والجمعيات والصناديق الخيرية وتداخلها بحيث تلاشى الدور المطلوب من النائب وتحوّل من كونه مشرّعاً يسهم في قبول أو رفض أو وضع أو صياغة أو تعديل القوانين والتشريعات التي تسيّر قضايا المجتمع وتحكم تصرفات أفراده ومعاملاتهم ، ويراقب تنفيذ الحكومة لبرامجها وخططها وأدائها لأعمالها والوقوف على نقاط ضعفها ومقدار مواكبتها لمختلف التزاماتها تجاه المواطنين والوطن (عموم الوطن وليس الدائرة) إلى راعي خدمات بلدية ومرفقية في دائرته من طرق وإنارة ومجاري وحدائق وكهرباء أومقدّم ومتعهّد ( واسطات ) أو موزع مكيفات وثلاجات أو ماشابه ذلك من أعمال لاتمت في – حقيقتها – بصلة للمهام المفترضة والمنوطة بالعمل النيابي .
ونتج عن ذلك ؛ أن النائب البرلماني ، وتحت ضغوطات معيشية صعبة يعيشها الناس، وإرضاء لناخبيه ، وتماشياً مع الوعي والثقافة السائدة عن دوره ومهمته ، ولضمان فوزه في الانتخابات والمحافظة على كرسيّه في البرلمان ؛ قد يقبل بتحجيم دوره أو تغيير مهامه ووظيفته وتقليص نشاطاته من التشريع والرقابة إلى تقديم الخدمات ومتابعة المرافق ، ومن العمل من أجل البحرين بشكل عام إلى العمل من أجل دائرته بشكل خاص .
ولذلك من خلال نظرة بسيطة إلى مايقوم به غالب المترشحين للانتخابات النيابية اليوم تكتشف أنهم يستعطفون أصوات دوائرهم على أساس ما أنجزوه لهم أو ماسيقدّمونه لهم من خدمات ومساعدات ، لافرق في ذلك بينهم وبين المترشحين البلديين ! بينما يجب أن يحرص المترشحون النيابيون على استقطاب أصوات دوائرهم من أجل إقناعهم بأنهم أفضل من يمثلهم في التشريع والرقابة وأحسن من ينوب عنهم للقيام بهذه المهة تحت قبة البرلمان ، وكذلك خير سفير لهم في خارج البحرين . وغدا أكمل.