راصد

الحديث عن الموضوعية شيء .. والالتزام بها شي ء آخر

من الجميل جداً أن يسهب البعض في التعبير عن موضوعية طرحه وقبوله بالرأي الآخر ، ثم يؤكد أن ما ينشره من مضامين تفيض بالحيادية والموضوعية إنما هي نتاج طبيعي لحالة الانفتاح والانفراج السياسي التي تعيشها مملكة البحرين .

وقد أصبحت حالة الافتخار بالموضوعية والتجرد للمصلحة العامة عنواناً وهدفاً سامياً تتغنى به صحافتنا المحلية ويتشدق به الصحفيون ، وهي بلا شك مما تسرّ له النفس وتأنس له . ولكننا دائماً ما نواجه تناقضاً بين الأقوال والأفعال ، وعادة ما يكون الصدام بين السياسات المعلنة والممارسات على أرض الواقع .

كان لافتاً للنظر خلال الأيام القليلة الماضية مقدار التضاد في التغطية الإعلامية لمسألة استجواب وزير المالية والاقتصاد الوطني في مجلس النواب ، فعلى الرغم من الأهمية البالغة للموضوع في عملية الحراك السياسي والمجتمعي في البحرين ، وهي أهمية كانت تستوجب أن تمارس الصحافة وعموم وسائل الإعلام أقصى درجات الموضوعية والحيادية وأن تتحلى بالنقل الأمين للحدث دون أدنى محاولة للتأثير على قناعات الرأي العام سواء ضد أو مع .

بعض الصحف  قامت بتغطية الحدث كأنما وزير المالية قد أسقط  في يده ، وأنه لم يكن لديه سوى إجابات مكررة عديمة الفائدة والحجة ، فاقدة الدلالة والبرهان . في الجانب الآخر تنشر بعض الصحف أن وزير المالية قد أربك المستجوبين وعرض أدلة ساطعة ودحض سائر التهم الموجهة إليه .

بعض الصحف قد استطردت في نقل تصريحات المؤيدين للاستجواب وسحب الثقة من الوزير ، في المقابل أطنبت صحف أخرى – بالعكس- في نقل تصريحات المعارضين للاستجواب وسحب الثقة .

من يستطيع من تلك الصحف – إزاء هذا النقل المتباين والتغطية المتناقضة – أن يتكلم عن الحياد والموضوعية ؟! أو من يستطيع أن يثبت للقراء مقدار النزاهة والأمانة التي كانوا يتحلون بها سواء من كانوا مع أو ضد ؟!  من يستطيع أن يقنع القراء أن هذه التغطيات المتضادة كانت مجردة من الأهواء والمصالح ؟!

ليس الاستجواب المذكور سوى نموذج واحد من عدة نماذج صارت تزخر بها صحافتنا بحيث تلبست بعضها في الطرح والنقل بتوجهات وصبغات معينة قليلاً ماتنفك عنها ، بينما صحف أخرى لاتتورع أيضاً عن صبغ تغطياتها وأطروحاتها بتوجهات أخرى . وللأســـف فإن الجميع يتشدق بحرية الآراء وموضوعية الطرح ويتغنى بالحيادية ؛ بينما هي مصطلحات وشعارات غالباً ما يتم التضحية بها أمام أي اختبار يتطلب مناداة تلك المعاني السامية واستنهاضها في كتاباتنا  .

أضف تعليق