قُدّر لصاحب هذا المقال عندما كان يعمل بوظيفة مشرفاً إعلامياً في جامعة البحرين في التسعينات أن كتب موضوعاً بعد فصل طالبة وطالبة تم ضبطهما في حرم الجامعة في وضع فاحش غير أخلاقي؛ دعوت فيه إلى ضرورة إيجاد ضوابط تحفظ للعلم مكانته ولحرم الجامعة احترامه ، وقبل ذلك تحفظ أبناءنا في هذه الفئة العمرية من مخاطر الانحراف والانحلال ، وبينت فيه أن هذه الأزياء القصيرة والموضات والاكسسوارات والتسريحات والعطورات والبنطلونات الضـيقة وماشـابهها إنما وجهتها للأعـراس وحفــلات الفيديو كليب وليس في ســاحات التحصيل العلمي . وبعد أن نشرت هذا الموضــوع اسـتلمت قرطاساً من إحداهن بعنــوان ” الوردة الحزينة ” جاء فيه : ” كثيرون الذين عرفتهم طوال سنوات دراستي الجامعية ووضعت يدي في يدهم وتبادلت معهم الابتسامات والهمسات واللمسات والأمنيات .. كان مجرد مروري على أحدهم بأصباغ وجهي الزاهية وملابسي القصـيرة الجذابة كافياً لملاحقتي ومحاولة الفوز مني ولو بابتسامة . كانت الحياة وسط الطلبة هكذا لذيذة وممتعة ، ولم أشعر بمرارتها إلا بعد أن تقدم بي العمر ومضى قطار الزواج بأخواتي وزميلاتي وتركني أولئك الذئاب المفترسة ، أصحاب الأحلام الوردية لا لشيء سوى أنني سيئة السمعة !!
الباحثون منهم عن الزواج يريدونها محجبة أو قل منقبة ليست ذات تجربة .. جمالها وقوامها وريحتها لايعرفه سوى أهلها . يُخيل إليك أن هؤلاء أصحاب القصص الغرامية والمغامرات الرومانسية من شدة تدقيقهم على صفات الالتزام والحشمة لشريكات حياتهم يبحثون عن صحابية جليلة ! فهم يدركون أن الوردة التي يشمها الكثيرون تفقد عبيرها ، ولكننا نحن الغافـلات عن هذا الســرّ العجيب الذي أودعه الله في الورود والزهور ؟ ونحن الغافلات أيضاً عن أن الأسوياء من الرجال – ومن يعودون إلى سويتّهم حين الرغبة في شريكة لحياتهم واختيار أم لأطفالهم – لايفرّطون في احتشام المرأة وسترها “
من المفارقات العجيبة لدى بعض القوم هو أن القيم والعادات تتغير وتتأقلم مع رغبـاتهم وفق منطق الاســتخدام والأهواء ، فعوضــاً من أن تســمع المناداة بأنبلها أو دعم أفضلها ؛ تســمع بالنقيض تمــاماً ، والغريب في الأمر أن هؤلاء المدافعين عن هذا المنطق النقيض يسعون إلى جرّ بقية الناس إلى مفهومهم وما يعتقدونه أو بالأصح ما يروجـوّن له .
من ذلك – مثلاً – مسألة الاحتشام والستر والعفاف ، والتي صار البعض لايتردد في الاستبسال في الوقوف ضدها أياًّ كان مصدرها . فما أن ينبري أحد الملتزمين أو الغيورين على بناتنا وأعراضنا ليطالب مؤسسة أو جهة ما بالمحافظة على العادات والقيم المرعية ويدعو إلى تلك الفضائل حتى يبادره هؤلاء أنفسهم ( بعض القوم ) بحملات استنكار وتنديد تطالب برفع وصاية الإسلاميين أو المتشددين وتحذر من حكم طالبان وتذرف دموعاً غزيرة على الحريات والديمقراطية والدستور وعلى كل شيء إلا التعاليم والتوجيهات الإسلامية في هذا الصدد .
على أن الأمر يحتاج منا إلى أن نسأل أنفسنا بصدق : من هم الذين يريدون فرض وصايتهم على المجتمع ؟! في اعتقادي أنه على هؤلاء أن يتواضعوا قليلاً ، ويجب عليهم أن يعرفوا أن المجتمع الذي يخشون عليه من الوصاية ليس مجتمعاً غربياً ، في بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو روسيا أو ما شابهها ! مجتمعنا إنما هو مجتمع مسلم تجذر في أصوله وفروعه قوله تبارك وتعالى : ( وما كان لبشر إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) وبالتالي لايحتاج هذا المجتمع إلى وصاية منهم أو من إسلاميين أو غيرهم . وما أقدمت عليه إدارة جامعة البحرين من وضع ضوابط للاحتشام ؛ فضلاً عن توافقه مع الشرع العظيم – وهو يكفي – إلاّ أنه جاء أيضاً استجابة لطلب من نواب الشعب وممثليه وحظى بتأييد من مجلس طلبة الجامعة وجمعياتها المنتخبين .
في كثير من المجتمعات المتقدمة التي – للأسف الشديد – لا نأخذ منها إلا أسوأ ماعندها يحرصون على إنشاء مؤسسات ومراكز لقياس الرأي العام ومعرفة توجهاته ، وتقوم بعرض الرأي والرأي الآخر – وهي عبارة يرددها بعض القوم كثيراً لكنها تختفي عن ممارساتهم – حتى تكون أهداف الرسالة الإعلامية واضحة ومعالم جهة الاستقبال معروفة ومحددة وبالطبع دون أن تمس معتقداته ، بينما عندنا الأمر كما ترون وتشاهدون وتقرأون .
فاللهم إنا نسألك أن تهدينا وتهدي خاصة بعض آباءنا وأجدادنا الذين ثارت مؤخراً ثائرتهم تجاه ضوابط جامعة البحرين بشأن الحشمة ، وأن تجعلنا معهم مفاتيح للفضيلة مغاليق لغيرها ، وأن تشملنا ضمن من طالت أعمارهم وحسُنت أفعالهم ، وبالأعمال والأقوال والكتابات الصالحة اختم حياتنا .