راصد

الحكومة .. هل هي صحوة إعلامية متأخرة ؟!

قرار صائب – بلاشك – هو الذي اتخذه مجلس الوزراء في أحد اجتماعاته الأخيرة بتشكيل لجنة لوضع نهج لتجسيد الخطاب الإعلامي  الحكومي يعتمد الدقة والسـرعة والمبــادرة في تناول الوقائع وتكريس الشفـافية والإفصـاح ، ذلك أن المتغيرات المحليــة والدولية باتت تعتمد على الإعلام كوســيلة فاعلة ومؤثرة في رسم السياســات وتوجيه الرأي العام وصنع القــرارات وكذلك تقييمها ، ويجب أن يرتقي خطابنا الرســمي إلى تلك المسـتويات ويتماشى مع ما أفرزتــه مخرجات المشـروع الإصـلاحي في مملكتنا الحبيبـة ، وماتموج به الساحات الإقليمية المحيطة بنا من تطــورات متسارعة ومتلاحقة لايصلح معها إلا المنهجية والأهداف الواضحة.

فمن الملاحظ أن الخطاب الإعلامي الرسمي تجمّد على أساليب ردود الأفعال واستحسن أن يكون في مواقع الدفاع ، ولم يألف المبادرات واكتفى بأن يكون خلف الصف في انتظار من ينتقده أو يهاجمه ليدبج له بعضاً من ردود العلاقات العامة التي باتت – في كثير من الأحيان – مضللة ومنفّرة حتى استقرّ عند الناس أن يأخذوا بعكس ماينفيه الخطاب الإعلامي الحكومي عبر أساليب – في الغالب- إنشائية رتيبة وبالية لاتثبت حجة ولاتدحض افتراء .

وبالطبع  نتج عن سوء هذا الخطاب الإعلامي وبلادته هو ما اكتسبته الجهات الرسمية من سمعة سيئة لدى الرأي العام تزداد سوءا يوما بعد يوم سواء في الخدمات المقدمة أو في الفساد المالي أو الفساد الإداري أو غيرها من المشكلات والقضايا الكثيرة التي يتم نشرها عن الأداء الحكومي . ويحدث ذلك بالرغم من أن لدى حكومتنا الموقرة إنجازات كبرى وحققت مكاسب جمّة تستطيع أن تثبتها بالأرقام والبيانات لايمنعها من ذلك سوى عجز خطابها ورداءة التسويق الذي لاتحسن استغلاله ، هذا لو كان التسويق أصلاً في وارد أفكارها .

غير صحيح البتة أن يتوارى التطور والإنجاز وتختفي الأعمال والمكاسب التي حققتها الحكومة على مدار العقود السابقة فلا يظهر على السطح إلا ماترون وتسمعون وتقرأون من عجوزات وتجاوزات وتقصيرات واختلاسات أصبحت مادة دسمة اختلطت بشأن عرضها ونقدها النيات السليمة بالأجندات السيئة ، من غير أن تكون هنالك صحوة حكومية تحفظ الحق وترد الاعتبار وتقارع الاتهام ، وقبل ذلك تبادر بالعرض والتسويق لمنتجاتها وخدماتها التي تضيع وتتبخر أمام أي قضية فساد أو قصور في خدمات .

وأعرف ، هاهنا أن هذا الكلام قد لايعجب الكثيرين ، وقد يتهمني البعض بحرق البخور أو السذاجة وما إلى ذلك من الأوصاف . غير أن الســذاجة الحقيقية هي الاعتقاد دائماً – على طول الخط – أن الحكومــات إنما هي شـــيطان لايمكن أن يخرج عنها أي خير أو حســنة وأن المعارضـة هي من أوصاف الملائــكة المنزّهين الذين لايخطئون ولايتجــاوزون الصــواب في أعمـــالهم ولايحيدون عن السلامة في أحكامهم .

من الظلم حقّاً أن نتهم الحكومة والجهات الرسمية دائماً بالخطأ والتجاوز والتقصير ، وأن نستمر في ذلك ماحيينا باعتبار أن الحكومات شيطان فقط لايستحق المدح والإطراء حتى لو ظهر منها ما يستحق ذلك المدح والثناء . شخصياً لا أدري ماهي الاعتبارات التي جعلت من نقد الحكومة ومؤسســـاتها الرسمية هو ماينتظره القراء من الصحفيين والكتّاب وغيرهم ، وهو ما يرفع رصيد الناشطين والمتصدّين للشأن العام ويبعد عنهم السذاجة  ، ومن يرى إنجازاً أو كسباً أو أي عملاً حققته تلك الجهات الرسمية فإن الثناء عليه والإشادة به يكون صاحبه في العادة منافق أو حمّال مباخر! في الحقيقة للحكومة إنجازات وإخفاقات وفي أروقتها لوحات مضيئة وأخرى مظلمة وبين رجالها وموظفيها قصص نجاح وإخلاص وحكايات فشل وسوء اختيار وضياع ذمم .. نأمل أن تتكامل جهود اللجنة الوزارية المذكورة لتجسيد خطاب إعلامي حكومي يعيد البوصلة إلى صوابها ويحسن توجيهها ؛ بالحق لا بالباطل ، وبالصدق والأمانة لا بالكذب والتلفيق .

أضف تعليق