كأنما يراد للمسلمين عموماً وللفلسطينيين خصوصاً أن يبقوا جماداً بين الأحياء ويفقدوا إنسانيتهم ويتخلوا عن كرامتهم وينسوا مقدساتهم وينفكّوا عن إخوانهم ، ولا يدافعوا عن أرواحهم وأعراضهم وأوطانهم ومقدساتهم ، ولا تهزّهم مناظر القتل والاعتقال والتشريد ، ولا تستثير كل هذه المجازر والاغتيالات الرغبة عندهم في الانتقام ولا تدفعهم على الأقل للمقاومة والرد على جزاريهم . ويجب عليهم أن يصمتوا على تدنيس مقدساتهم وتخريبها ، وأن يصبروا على ذبح أهاليهم وأبنائهم وأحبابهم ، وألا يحزنوا على هدم منازلهم وتدمير مزارعهم ، ليبرهنوا للبيت الأبيض ولحكومة أولمرت وللجنة الرباعية وللاتحاد الأوربي ومعهم الكثير من الأنظمة العربيـــة والإسلامية أن حب الســلام والأمن والاســـتقرار إنما لا يتــأتى إلا عن هذا الطريق الخانع المــذل !! وأن استرداد أوطانهم لا يأتي إلا عن طريق هكذا نوع من الاستسلامات والتنازلات والبيوعات. وخلاف ذلك يجعل الفلســطينيين إرهابيين متشــــددين يتحركون ضد الســلام العالمي ، ويتهمون بتقويض أركان الأمن والاســـتقرار في المنطقة ، ويجب مطاردتهم وتفكيك مقاومتهم ، وخلاف ذلك يتعرضون للحصار والتجويع ؛ ليس من سدنة الظلم العالمي وأدعياء العدالة الديمقراطية المزيفة فحسب وإنما حتى من ذوي قرباهم في بلاد العرب والمسلمين . وإن لله في خلقه شئون .
ويحدث ذلك بينما يقف يهود العالم في كل مكان مع الكيان الصهيوني ويقدمون له جميع أنواع الدعم المادي والمعنوي بينما العرب والمسلمون عاجزون عن عمل أي شيء – أي شيء على الإطلاق!! – رغم الإمكانات المادية الكبيرة التي يملكونها والجيوش المدججة بأعتى الأسلحة ومئات الألوف من الجنود!! وتبدو الحكومات العربية والإسلامية عاجزة عن عمل أي شيء ، رغم أنها تستطيع – لو أرادت – أن تفعل الكثير، لكنها مشلولة الإرادة ، ومشغولة بنفسها عن قضاياها الأساسية .
ربما يحق لنا أن نفرح باتفاق مكة المكرمة لتشكيل حكومة وحدة فلسطينية ونستبشر به خيراً ، ومصدر هذا الفرح ليس لموضوع الاتفاق فحسب وإنما لدور المملكة العربية السعودية ورعايتها لهذا الاتفاق ؛ هذا الدور الذي بات من اللازم أن يستعيد نشاطه ومكانته في العالم العربي والإسلامي بعدما أصابه نوع من الفتور والتراجع في السنوات القليلة الماضية .
المملكة العربية السعودية تملك الكثير من مقوّمات أن تمسك بزمام المبادرة والريادة في احتضان قضايانا ورعايتها فهي بمثابة القلب من الجسد ، وبالتالي لا يكون مستغرباً أن ترعى السعودية أو تنطلق من رحابها اتفاقات ومعالجات هي بمثابة مفاصل تاريخية للعديد من مشكلات العالم العربي والإسلامي . بهذه المناسبة نتمنى أن تتهيأ السعودية وتتحرّك نحو إنقاذ إخواننا وأهلنا ؛ أهل السنة والجماعة في العراق الشقيق من الإبادة التي يتعرضون لها ، فما عاد الأمر يحتمل أن تتبنى مسألة الدفاع عنهم والدعوة إلى حفظ أرواحهم وأعراضهم ودمائهم منظمات وجمعيات وإنما لابد أن تنهض لذلك حكومات وأنظمة .
نأمل من كلّ قلوبنا أن يكون اتفاق مكة نافذاً وفاعلاً وأن تكون المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله ضامنة لتطبيقه في أرض الواقع وكافلة لنجاحه . وهي –لاشك- الأقدر على ذلك .