راصد

الراحلون في صمت .. الدكتور عبدالقادر طاش نموذجاً

في أيـامنا هذه وما اعتراها من متغيرات ســواء على المستوى المادي أو التقني ، وفي خضم آثار العولمة وحركات التغريب ونواتج التفسخ الأخلاقي  يجدر بنا أن نعيد بناء حساباتنا ، وأن ندرك أن الصراع الحضاري إنما هو صراع ثقافات وهويات ، وأن الدول تتخندق لأجل الدفاع عن مقدساتها وثوابتها .

أديان وطوائف وملل شتى من مختلف الأصقاع أعادوا لدياناتهم ومعتقداتهم قوتها وأحيوها بعد مماتها ، وأخذوا منها انطلاقة لبرنامجهم ومناهجهم وخططهم ، بل إن الدول الكبرى الآن لا تتحرك في سياساتها إلا بمشورة من القساوسة والرهبان الذين باتت مؤسسات الحكم تغص بهم ، وصار الزعماء والرؤساء يتبارون لنيل التبريكات من الكنائس لتحقيق نزعات الاستعمار والاحتلال والسيطرة على الشعوب .

موشي ديان الزعيم الصهيوني الشهير ذكر لصحيفة جيروساليم بوست في 10/8/67 “إذا كنا نملك الكتاب، وإذا كنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة، فينبغي أن نمتلك أيضا أرض التوراة، بلاد القضاة، أرض أورشليم وحبرون أريحا، وأماكن أخرى”.

دولنا، نحن في عالمنا الإسلامي أو النامي أو نسميه ماشئنا ، هي فقط  التي ضعف لديها الاعتزاز بهويتها وثقافتها ، وصرنا في الآونة الأخيرة تعجزنا حتى الحيلة في إقناع البعض بالحرام والحلال في ديننا وموروثاتنا الشرعية ، وصار الكلام والخوض فيها هو من قبيل إثارة المشكلات أو التسبب في الخسائر أو ما شابه ذلك . على أن الخسارة الحقيقية تكمن في تخريج أجيال غريبة عن أصــولها ، منبتة من جذورها ، فاقدة لانتمائها .

إن نظرة في المناهج اليهودية أو للدول الأوروبية أو أمريكا ندرك حينها مقدار التزامهم بالرجوع إلى أصولهم الاعتقادية وتكريمهم وتشجيعهم ودفعهم نحو المحافظة عليها ، هي ولغتهم .

ولكن ، عندنا ، في خضم الموازين المقلوبة والمقاييس العاجزة واستمرار تسابق الكاميرات للمواهب الغنائية أو الرياضية أو الفنية أو غيرها من المواهب  قد لا تتاح لوسائل الإعلام أو القائمين على تشجيع الموهوبين والمبدعين أو المهتمين بصقل المهارات وقياس التميز أن يعتمدوا مثلاً حفظة القرآن الكريم أو طلبة العلوم الشرعية أو علماء اللغة العربية على قوائمهم أو أن يكونوا  في وارد اهتماماتهم مثلما تفعل الدول التي تحترم ثقافتها ولغتها وتحافظ على انتمائها وتقاتل من أجل الدفاع عن هويتها .

فالأمر لا يقف عند حدود المهرجانات أو الملتقيات بقدر ما أصبح سلوكا مجتمعياً طاغياً أفلت فيه الثقافة وانحسر عنه الفكر ، وتهمش دور المثقفين والمفكرين وإنتاجهم الذي غالباً لا يجدون من يعرفهم أو لا يشار إليهم بالفضل والبنان إلا فيما ندر ، وعلى استحياء .

 في المقابل برز نجم الفنانين والرياضيين و…إلخ ، وأفردت لهم صفحات ومجلات وملاحق ، بل وحتى قنوات فضائية خاصة بهم . لا أحتاج للتدليل على ذلك سوى أن تقارنوا كيفية تناول وسائل إعلامنا لخبر وفاة فنان ووفاة عالم ، صار من الطبيعي أن يموت العالم الهمام فلا يعرف بموته أحد ، أو يبدع أحد الباحثين أو يكتشف أحد الموهوبين أو يفوز أحد المبرزين في مجالات العلوم والمعرفة فلا يأبه بهم أحد .

غيب الموت قبل شهرين في – صمت وسكون – الإعلامي السعودي البارز الدكتور عبد القادر طاش بأحد مستشفيات جدة بعد صراع طويل مع المرض، بعد أن قضى الشطر الأكبر من حياته في كفاح لتسخير الإعلام في خدمة الإسلام .

كان رحمه الله أحد مؤسسي منهجية الإعلام الإسلامي ومنظريه ، له عشرات الكتب في الإعلام الإسلامي ، ومنها: “الصورة النمطية للإسلام والعرب في مرآة الإعلام الغربي”، و”الثقافة والإعلام وما بينهما”، و”الإعلام وقضايا الواقع الإسلامي”

وكما اهتم بالعلاقة بين الإسلام والغرب، وكان من أشد مؤيدي تفعيل الحوار الإسلامي الغربي، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية المتعلقة بهذه القضية، وأصدر حول هذه القضية العديد من الكتب منها: “أمريكا والإسلام تعايش أم تصادم؟”، و”أزمة الحضارة الغربية والبديل الإسلامي لها”. وانشغل بقضية الأقليات الإسلامية المضطهدة في العالم، وكان له في هذا المجال كتاب مميز هو “تركستان المسلمة وأهلها المنسيون”.

وكان فوق ذلك أول رئيس تحرير ومؤسس لجريدة “المسلمون” عام 1983 كما كان مؤسس قناة “اقرأ” وأول مدير لها عام 1998، وهي من أوائل القنوات الفضائية الإسلامية وأحرصها على نشر الفكر والتربية .

غاب عن عالمنا هذا الرجل الفذ والمفكر النابغة فلم تنعيه وسائل الإعلام ، ولم تطريه بمايستحقه ، بل لم يعرف برحيله حتى كاتب هذه السطور ، الذي تشرَف بأن يكون الدكتور عبدالقادر طاش مدرساً له ومشرفاً على بحث تخرَجه إبان دراسته الجامعية !!

وأترك لكم المقارنة بين تناول إعلامنا لوفاة الدكتور طاش أو مايشبهه من الأفذاذ وذوي الأفضال وبين وفاة أي فنان أو راقصة أو مايشبههم وفي مستواهم ممن تفرد لنعيهم الصفحات وتخصص لفبركة سيرهم برامج وسهرات ، وبالفعل نحن أمة ضحكت من جهلها (الغنم ) .

أضف تعليق