توضأ وأحرم للصلاة فقبضه الله وهو يصلّي بين يديه سبحانه وتعالى ، وهذا من المبشرات بحسن الخاتمة، فيا لحُسن خاتمته نسأل الله أن يحشرنا معه في عليين . هكذا ترجل الفارس شاعر الأقصى عن صهوة جواده ورحل إلى بارئه يوم الأحد الماضي بعد عناء مع المرض تاركاً ورائه مسيرة حياة حافلة بالعطاء ، إذ كان يُصنف واحدا من رواد الأدب الإسلامي المعاصر ومؤسسيه . إنه الأستاذ المربي الأديب الأريب يوسف العظم ؛ من مواليد مدينة معان الأردنية عام 1931 درس في مدارسها الابتدائية والإعدادية وتخرج منها ، كما درس في كلية اللغة العربية في الجامعة الأزهرية وفي معهد التربية للمعلمين في جامعة عين شمس، عمل معلما للثقافة الإسلامية في الكلية العلمية الإسلامية بعمان، ورئيسا لتحرير صحيفة الكفاح الإسلامي ، أول صحيفة ناطقة باسم الإخوان المسلمين في الأردن ، وله العديد من المؤلفات في مجالات الفكر الإسلامي والشعر والأناشيد الإسلامية لكنه استحق لقب (شاعر الأقصى) بجدارة بعد أن قضى عمره يكتب للأقصى ويربي الأطفال على حب الأقصى، يكفي أنه أسس ” روضات براعم الأقصى” التي طوّرها إلى ” مدارس الأقصى “في الأردن.
لقد ألهب الشاعر يوسف العظم بشعره ونثره ومحاضراته المنابر وأعلى قلمه في الصحافة نحو خمسين عاماً . وعرفته جماهير الصحوة الإسلامية في مختلف البلدان العربية والإسلامية شاعراً انحصرت اهتماماته الشعرية في موضوعين:
1- فلسطين ومقدساتها ومأساة أهلها.
2- الأوضاع الاجتماعية المتردية التي تعيشها أمتنا.
فجاءت دواوينه الشعرية معبرة عنها ، ومن تلك الدواوين : في رحاب الأقصى ، والسلام الهزيل ، ولبيك – ابتهالات شعرية ، وعرائس الضياء، وعلى خطى حسّان، والفتية الأبابيل . ومن أروع قصائده ( في رحاب الأقصى ) التي كتبها بعد نكبة 1967 وسطرها في ثلاثة عشرة صفحة ، يقول في مطلعها :
يا قدس يـا محراب يا منبر يا نور يا إيمان يا عنبر
أقدام من داست رحاب الهدى ووجه من في ساحها أغبر
وكف من تزرع أرضي وقد حنا عليها ساعدي الأسمر
من لوث الصخرة تلك التي كانت جسر أحمد تفخر
ويقول في مقطع آخر :
لمن أبث شكاتي والشفاه غدت خرساء ليس لها في الحادثات فمُ؟
من ذا الذي هدّ مني ساعداً ويداً هل ضاع دربيَ أم زلت بي القدمُ
لقد جرعنا كؤوس الذل مترعة والقدس في العار، والمحراب والحرم
والصخرة اليوم باتت غير شامخة لأن نجمة صهيون لها علم
على أن فقيدنا الراحل لم يقتصر عطاؤه في الناحية الأدبية بل امتدّ لناحية تربية الأجيال ، وهو حلم راوده منذ صغره ، إذ يقول الأسـتاذ العظم في مقدمة كتابه ” نحو منهاج إسلامي أمثل) :” كان طموحي منذ طفولتي أن أكون مربياً مسلماً ناجحاً ( وقد حقق الله أمنيته إذ بدأ حياته العلمية مدرساً للثقافة الإسلامية والأدب العربي في الكلية الإسلامية بعاصمة الأردن ، وقد استمر عمله هذا من عام 1954 حتى عام 1962 وعلى الرغم من عبء التدريس إلا أنه عمد إلى تأليف العديد من الكتب التربوية ، منها : براعم الإسلام في العقيدة ، براعم الإسلام في الحياة ، أدعية وآداب للجيل المسلم ، وأناشيد وأغاريد للجيل المسلم ، مشاهد وآيات للجيل المسلم ، العلم والإيمان للجيل المسلم وغيرها من الكتب التي تم ترجمتها إلى عدد من اللغات وصارت منهجاً يتم تدريسه . كما أسس الفقيد الراحل بالتعاون مع زملاء له من المربين والمثقفين مدارس الأقصى المعروفة بالأردن حتى الآن . وفي العنوان الذي اختير لهذه المدارس بيان بالأهداف البعيدة التي ترمي إليها وحرص رحمه الله على غرسها في الأجيال لتبقى قضية الأقصى محفورة في وجدانهم وتكون هذه الأجيال مزودة بالوعي العميق لواقع المؤامرة الصليبية اليهودية ، التي لا تستهدف في منظورها البعيد سوى محق الإسلام وإزالة معالمه .
اعتلى يوسف العظم أيضاً عضوية مجلس النواب في العشرينيات من عمره ، حيث ترشح لمجلس النواب عن محافظة معان ونجح في عضوية المجلس للدورات في الأعوام 1963م ، 1967م إلى أن حلّ هذا المجلس في عام 1974تنفيذاً لتوجيهات قمة الرباط التي قضت بأن تكون منظمة التحرير هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني ، وبذلك انتهى عمل المجلس الذي كان نصف أعضائه من الفلسطينيين .. بَيْد أن مكافآت النواب لم تنقطع عنهم طوال المدة ما بين العامين 74 و 1984 ، إذ كان الواحد منهم يتلقى مائة وخمسين ديناراً بنهاية الشهر ، إلا واحداً فقط من أولئك السادة هو الأستاذ يوسف العظم ، فقد استثنى نفسه من هذا الراتب واعتذر عن قبوله لأنه يرى أنه قد أصبح بعد حلّ المجلس من نوع الكسب غير المشروع . ثم عاد رحمه الله لمجلس النواب عام 1989 م واستمر فيه حتى اعتزل العمل السياسي بعد مرض ألمّ به وكان قد عُين أيضاً لفترة 6 شهور وزيرا للتنمية الاجتماعية خلال حرب الخليج الثانية .
وللفقيد الراحل العديد من الكتب والمؤلفات التي أثرت المكتبة الإسلامية ، ومنها : ألوان من حضارة الإيمان : يعرض فيه صوراً من حضارة الإسلام في مجال القيم والسلوك وميادين العلم . المنهزمون : وهو عبارة عن دراسة للفكر المتخلف والحضارة المنهارة ، تناول فيه مسؤولية الحكم بين مفهوم الكهنوت ومفهوم الإسلام، والرجعية والتقدمية بين الإسلام وخصومه وغيرها من الموضوعات الدينية، طبع أربع مرات. أين محاضن الجيل المسلم : نص محاضرة ألقيت بالموسم الثقافي السنوي لوزارة الأوقاف في الكويت عام 1967، ويتضمن الكتيب أثر مدارس التبشير الاستعمارية ورياض الأطفال التابعة لها في سلخ الأجيال الإسلامية عن دينها وهدم دعائم الإسلام وأخلاقه وطبع هذا الكتاب ست طبعات . رحلة الضياع للإعلام العربي المعاصر: يتحدث عن الإعلام وتضليله للحقائق ويضع خطوات إيجابية نحو إعلام بناء. مقام العقل في الفكر الإسلامي : يتضمن مقام العقل في الإسلام والدعوة والحث على التفكير وإعمال العقل في الحياة. في آفاق العمل الإسلامي : ويتضمن قواعد وأصول الدعوة إلى الإسلام وأسلوب العمل الإسلامي والسمات المميزة للقيادة الإسلامية الناجحة. تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء : دراسة التاريخ الإسلامي دراسة معمقة بعيدة عن التشويه والتزوير التي يهدف إليها أعداء الإسلام ودور أبناء الأمة في إبراز الحقائق التاريخية لتراثهم . في رحاب الفكر الإسلامي: يتضمن الكتاب جملة من القضايا العامة وبيان إيجابيات المعالجات التي طرحها الفكر الإسلامي وهي مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
بقي أن أشير إلى أن بداية معرفتي بأدب هذا الشاعر كانت عند سماعي لإحـدى الأناشـيد الإسـلامية في مهرجان بالجامعة التي كنت أدرس فيها في الثمانينات ، وكانت هذه النشيدة عبارة عن مناجاة مؤثرة كتبها فقيدنا الراحل ، علا عند إنشادها بكاء ونحيب الجمهور ، ومما جاء فيها :
رباه إني قد عرفتك خفقة في أضلعي
وهتفت باسمك يا له لحناً يرن بمسمعي
أنا من يذوب تحرقا بالشوق دون توجعي
قد فاض كأسي بالأسى حتى سئمت تجرعي
يا رب إني قد غسلت خطيئتي بالأدمع
يا رب ها تسبيحتي في مسجدي أو مهجعي
يا رب إني ضارع أفلا قبلت تضرعي؟
إن لم تكن لي في أساي فمن يكون إذن معي؟
يا رب في جوف الليالي كم ندمت وكم بكيت
ولكم رجوتك خاشعا وإلى رحابك كم سعيت
قد كنت يوماً تائها واليوم يا ربي وعيت
إن كنت تعرض جنة للبيع بالنفس اشتريت
أو كنت تدعوني إلهي للرجوع فقد أتيت
غاب عن عالمنا هذا الرجل الفذ والمفكر النابغة والأديب الأريب فلم تنعيه وسائل الإعلام ، ولم تطريه بما يستحقه ، وأترك لكم المقارنة بين تناول وسائل إعلامنا لوفاة شاعر الأقصى الداعية والمفكر الإسلامي يوسف العظم أو ما يشبهه من الأفذاذ وذوي الأفضال وبين وفاة أي فنان أو راقصة أو من في أضرابهم وفي مستواهم ممن تفرد لنعيهم الصفحات وتخصص لفبركة سيرهم برامج وسهرات . في خضم الموازين المقلوبة والمقاييس العاجزة رحم الله شاعر الأقصى وألهم أهله وذويه وتلامذته الصبر والسلوان وأسكنه فسيح جناته . اللهم ارزقنا نفس خاتمته ولا تأخذ أرواحنا إلاّ وجباهنا في طاعتك ، ساجدة لعظمتك وجلال قدرتك . وعزاؤنا أنه يمضي الرجال وتبقى آثارهم .