يروي الزعيم الهندي الكبير نهرو (1899-1964) في قصة حياته حادثة كانت بالنسبة له موضع غرابة وتأمل لديه , فقد أنشأ بعض الطلاب الهنود في لندن في أوائل هذا القرن جمعية لهم, كان من بين أعضائها نهرو نفسه , وكان عدد من هؤلاء الطلاب يناقشون السياسة الهندية بشكل بالغ التطرّف , وكانوا دائما متحمسـين يعبرون عن أنفسهم بصوت عال. أما نهرو فقد كان قليل الكلام في هذه الجمعية, حتى أن الطلاب المتحمسين كثيراً مايوجهون إليه اللوم بسبب صمته وما يبدو عليه من انعدام الحماس الوطني ورفض الخطابة المتشنجة وقلة مشاركته في برامجهم , رغم ما هو معروف عنه من أنه مثقف وأديب وفيلسوف قادر على التعبير عن نفسه بأجمل الألفاظ وأحسن الكلمات وأبلغها.
ومرّت الأيام, وعاد هؤلاء الطلاب ومعهم نهرو إلى الهند, فاكتشف نهرو شيئاً عجيباً حيث يقول : لقد وجدت هؤلاء الذين كانوا متحمسين ومتطرفين في لندن وملأوا الدنيا صراخاً وضجيجاً قد أصبحوا موظفين في إدارة الانتداب الإنجليزية في الهند, ولم يلعبوا في الحركات السياسية الوطنية أي دور فعال . أين راح سخطهم على الإنجليز ؟! أين ذهب حماسهم العنيف؟! كل هذا قد تبدّد على المكاتب الفاخرة التي أعدّها لهم الإنجليز في الهند.
المعروف أن نهرو, وهو الصامت الذي لم يكن يتكلم كثيراً في لندن, قد دخل معركة الهند بكل قوته بعد عودته من الدراسة في انجلترا, وتعرّض للسجن والأذى سنوات طويلة , وكان نهرو في طليعة حركة الاستقلال الكبرى, حيث كان يشارك فيها ويقودها ويضع حياته كلها في خدمة انتصارها .
فالمتحمسون الصاخبون الذين كانوا في لندن الأعلى صوتاً والأكثر بروزاً كانوا هم في الحقيقة أقل الناس عاطفة نحو الهند حسبما تبين بعد عودتهم ، وكانوا آنذاك مجرّد ظاهرة صوتية أو ظاهرة إعلامية بعيدة جداً عن فعل الإنجاز الحقيقي الذي سبقهم إليه وقاد دفّته من كانوا يحسبونه يومها أنه أخفض من في ( ظاهرتهم الصوتية ) ويعتقدونه أقلّهم حماساً فيها . بينما يعود إليه ( نهرو ) تأسيس الهند بعد الاستقلال وبناء ديمقراطيتها العريقة ، وصار اسمه علماً مربوطاً بتاريخ الهند الحديث ، واختفت من ذاكرة الهنود أسماء جمعية الطلاب الهنود في لندن الذي اكتشف نهرو سوءتهم وعدم جدواهم .