راصد

السـراب

ذهب استخدام السراب في دنيا الناس مثلاً ماضياً للإشارة إلى الأمل الذي يتوقون لتحقيقه في حياتهم ثم يفاجأون بأن هذا الأمل كان مجرد خدعة بصرية قريبة من اصطلاح السراب . فماذا يعني السراب  ؟

السراب  في اللغة  : ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر .  كالماء يلصق بالأرض يحسبه الظمآن ماء حتى إذا اقترب منه لم يجده شيئا . وترجع تسمية السراب عند العرب إلى سرب الماء ، أي جرى وسار . وفي كتاب لسان العرب لابن منظور ، السراب: اللامع في المفازة كالماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين . ويُقال أن السراب كلمة فارسية  مكونة من (سر) بمعنى الرأس ، ومن (آب) بمعنى الماء. وقد ورد ذكر السراب في القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَالّذينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمآنُ ماءً حَتّى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوفّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الحِسَابِ ) وذلك في تشبيه أعمال الكفار وما يقدمون من قرابين وأعمال وأذكار يتقربون بها إلى آلهتهم، مثلها كـ (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) و( بقيعة ) هي جمع قاع، كالجيرة جمع جار، والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب.

أما من الناحية العلمية فإن ظاهرة السراب هي  خدعة بصرية (ضوئية) تحدث نتيجة ظروف البيئة المحيطة من اشتداد درجة الحرارة والأرض المستوية واختلاف في معامل الانكسار مما يجعلها في حالة توهج شديد حيث تبدو كالماء الذي يلتصق بالأرض ليعكس صورا وهمية للأجسام وكأنها منعكسة عن سطح مرآة كبيرة.

بحرينياً يمكن أن نعرّف أو نسقط مصطلح السراب على الكثير من الأمور يتأملها المواطنون وينتظرون فوائدها بفارغ الصبر لكن سرعان ما يكتشفون أنها سراب في سراب .. فلو أخذنا ما يسمونه بالعوائد الاقتصادية لمجموعة كبيرة من المشروعات التي يتم الترويج لها قبل البدء فيها والاسترسال في إبراز فوائدها ومنافعها على الاقتصاد والاستثمار والسوق المحلية وتشغيل العاطلين والسياحة و… إلخ حتى يظنّ الناس أن أبواباً من الرزق والخيرات ستنهال عليهم بسببها ؛ لكنها ما أن تُطبق أو تُنفذ حتى يغيب الكلام عن أثرها ويتلاشى الحديث عن مردوداتها إلى أن يأتي يوم ما فيظهر للعلن فشل ذاك المشروع أو تردّي أوضاعه أو تزايد خسائره أو صفرية أرباحه وعدم وجود أية إيرادات منه لميزانية الدولة فتكون نتيجته بالمقارنة لتباشير إنشائه بالضبط كالسراب  !!

تعريف السراب في البحرين يشمل أيضاً مدن وجزر وأبراج ومنتجعات يجري إنشاؤها في البرّ والبحر على أيدي بعض المؤسسات والمستثمرين الذين صاروا كالغول يأكل في الأراضي وينتزعها في الشمال كما في الجنوب ، وفي الشرق كما في الغرب ، وفي البر كما في البحر  بينما يجأر المواطنون بالألم والحسرة لتنامي أزمتهم الإسكانية دون أن يكون لها حلّ في المنظور القريب إلاّ من بعض الإجراءات والتصريحات وبضع عشرات أو مئات من وحدات إسكانية – تُوزع هنا أو هناك – لا تحرّك ساكناً من قوائم الانتظار التي يزيد عدد المسجلين فيها على الأربعين ألفاً ناهيكم عمن خارج هذه القوائم . وغالبهم يسيل لعابهم وهم يشاهدون من حواليهم جزراً ومنتجعات ومشـروعات مليونية ضخمة سكنية واستثمارية ( بالهَبَل ) فيها شقـق وفلل و … إلخ ، وعلى امتدادات واسعة في البرّ والبحر  يتوقعون أن يحصلوا منها على المأوى الذي يناسب طموحاتهم ويلبي حاجاتهم وعائلاتهم ويحقق لهم ولأبنائهم ما يتمنونه لتجاوز محنتهم وفكّ ضائقتهم لكنهم يُصدمون بأن توقعاتهم وأمنياتهم إنما هي خدعة بصرية تشبه السراب .

يتسع التعريف البحريني للسراب فيشمل أيضاً علاوة الغلاء التي رغم الضجيج الذي صاحبها في البداية والآمال التي بناها المواطنون عليها وتوقعوا منها نفعاً إلاّ أنه بعد تأخر استلامها وتضاعف الأسعار صارت لهم كالسراب . وحتى الشوارع والطرقات التي نتخيل الأمل في حل مشكلة الزحام والاختناقات المرورية عند مشاهدة الكم الكبير من الحفريات وأعمال الإنشاءات عليها نكتشف عند انتهائها أن ذاك الأمل مجرد سراب بسبب الترقيع وسوء التخطيط وتأخر الإنجاز .

السراب صار يلاحق المواطن في مناحي ومجالات كثيرة لا يتسع المجال لاستعراضها بينما تطحنه الظروف المعيشية الصعبة وتعوزه الحاجة له ولأبنائه وأسرته وتضيق به الأرض وتحاصره الديون والقروض من دون أن يشعر بأي طاريء ملموس لتحسين أوضاعه وسويّة حياته من هذه المشروعات والشركات العملاقة والمدن والجزر التي يتم البذخ عليها بملايين الدنانير انتظاراً لعائد ومردود أصبح متداولاً وشائعاً أنه كالســراب الذي كلما اقتربنا منه لم نجده شيئاً .

أضف تعليق