في اعتقادي ، من كان يرى في نفسه حماساً وتطلّعات وقدرات وطموحات ( بلدية وخدمية ) لدائرته ، ومن يرغب في فعل الخيرات وتقديم المساعدات بين أبناء دائرته ؛ فعليه – إن كان جادّاً ومخلصاً في ذلك – إما أن يرشح نفسه للمجالس البلدية أو ينضمّ للعمل في محافظة المنطقة أو يلتحق بجمعية أو صندوق خيري ، فذاك أولى له من إضعاف العمل البرلماني وتفريغه من مضامينه ومهامه وأعماله الأساسية . فليس من المتصوّر أن يختزل أو يجمع النائب البرلماني بين مهام المجالس البلدية ومهام محافظة المنطقة ومهام الجمعيات والصناديق الخيرية ثم يُراد منه بالإضافة إلى كل ذلك ممارسة دوره الأساسي المطلوب منه والمنصوص عليه دستورياً وقانونياً ، وهو التشريع والرقابة .
للأسف الشديد ، يتم – بقصد أو من دون قصد – في هذه الأيام ، موسم الدعاية للاستحقاق الانتخابي القادم تغييب مسألة الفصل بين هاتين المهمتين في وعي الناس ، مهام البرلمان ومهام المجلس البلدي ، وذلك لعدّة أسباب ، لعلّ أهمها ما يلي : أولاً : الحاجة الماسّة لدى الناس في دوائرهم ومناطقهم لتطوير البنية التحتية وتحسين المرافق الأساسية ومعاناتهم من – قليل أو كثير – إهمال ونسيان على مستوى الخدمات ، وهو الأمر الذي يجعلهم يندفعون ويتحمّسون وراء أي مترشح يتبنى لهم ذلك ويمنّيهم بإنشائه أو تعديله أو ما إلى ذلك ، بغض النظر عن كونه مترشحاً نيابيأ أم بلدياً . ثانياً : ضعف بعض المترشحين للانتخابات النيابية وتواضع مؤهلاتهم وإمكاناتهم وقدراتهم – ولا نريد أن نقول جهلهم بالفرق بين البرلمان والبلديات – جعلهم يتكلمون عن برامج ومهام هي خاصة للمترشحين البلديين وينافسونهم في استقطاب الناخبين على هذا البرنامج البلدي بينما هم دستورياً وقانونياً لهم أعمال ومهام أخرى لايصحّ التنازل عنها ومنافسة البلديين في أدائها . ثالثاً : حداثة التجربة البرلمانية والبلدية وضعف الجدية اللازمة لتوزيع المهام والاختصاصات بين الاثنين أدّى لأن تغيب المهام الرئيسية للنائب ( التشريع والرقابة) عن الوعي الجمعي للمواطنين . رابعاً : الضعف الإعلامي والتوعوي بمسألة فصل الاختصاصات بين المجلس النيابي والمجلس البلدي وتراخي مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني عن بيان ونشر هذا الفرق وإزالة هذا الخلط الذي أدّى إلى ما ترونه الآن على الساحة الانتخابية من كثرة من مترشحين للبرلمان وللبلديات ، تنحصر أو تختلط كل اهتماماتهم وأحاديثهم وحملاتهم على شؤون بلدية وخدمية وخيرية في دوائرهم ومناطقهم .. بينما الصحيح أن للبرلمان أعمال ومجال يخص الوطن ( كامل الوطن ) وللبلديات أعمال ومجال آخر مختلف ( غالبه خاص بالدائرة والمنطقة ) ، ويُفترض أن لكل مجال نوابه وأعضائه .