راصد

اللهم اختم لنا هذا العرس على خير!

يُخيل لي أنه في فترة الاستحقاق الانتخابي يحدث لكثير من الوجوه أحد أمرين : إما أنها تتبدّل فتلبس أقنعة لتظهر على الناس بأشكال ومضامين جديدة لم يعرفوها فيهم . أو أن وجوهاً تسقط عنها أقنعة كان الناس قد ألفوهم وخبروهم بها ، فلا الحلال يبقى على حاله ولا الحرام صامد عن انتهاكه ، مباديء تُخترق ومعايير تتغير ، إخوة يتباعدون وأعداء يتقاربون . بعد إشاعة وفاة المترشح الأخ الفاضل بوعماد ، عيسى القاضي أطال الله في عمره وأمدّه بالصحة والعافية ؛ حاولت أن أكتب عما يتم تناقله وتداوله عن المنافسات الانتخابية فلم أجد خيراً من أن أعيد نشر موضوع سابق في هذا الخصوص ، هو عبارة عن رسالة من القارئ ع . راشد عبد الرحمن مع بعض التعديلات التي تناسب وقته .

          في برلمانات بعض الدول ، يختلف النواب ويتجادلون، بل يصل الأمر بهم أحياناً إلى حد التشابك بالأيدي والتقاذف بالمقاعد، وتتحول الساحة تحت قبة البرلمان إلى حلبة مصارعة . هذا في برلمانات الدول الأخرى، أما عندنا فقد كنا نعتقد–وبحكم ما نعرفه من أخلاق هذا المجتمع الصغير- أننا سنكون أفضل حالاً، وأن الاختلاف لن يزيد – إن استفحل- على بضع كلمات غاضبة تصدر من هنا أو هناك ، ثم تعود القلوب إلى الصفاء. لكننا كنا مخطئين، إذ لم نكتشف إلا متأخرين أن الديمقراطية  التي أراد لها راعيها أن توصلنا إلى الأيام الجميلة التي لم نعشها بعد قد جعلتنا – ربما – نخسر أغلى ما عندنا نحن البحرينيين ، أخلاقنا وطيبتنا التي عرفنا بهما القاصي والداني.

          بالأمس، انتهى المشهد الديمقراطي الأول، وتنفسنا الصعداء، فسنرتاح أخيراً مما تنقله إلينا الصحف كل يوم عن معركة برلمانية هنا وأخرى هناك، ولن نضطر إلى الاستماع إلى أولئك الذين ما فتئوا يتصيدون أخطاء النواب، ويبشروننا بغدٍ أفضل في المشهد التالي. لكن فرحتنا ما تمت، فما أن رفع الستار للمشهد الثاني، وبدأت إرهاصات الانتخابات النيابية تبدو في الأفق ، حتى احتدمت المعارك ، وأصبحت أكثر حدة وضراوة، معارك يبدو للمطلع عليها في صفحات الجرائد أنها تحدث في بلد مترامي الأطراف، كثير السكان، عظيم الثروات، لا في بلدٍ صغيرٍ متناهٍ في الصغر، محدود الدخل، سكانه القلائل كانوا حتى الأمس القريب أهل بيت واحد، يحزنون لحزن الواحد منهم ويفرحون لفرحه.

          ما أشبه ما يحدث في بلدنا الصغير بلعبة الكراسي الموسيقية ، يركض الناس حول الكراسي، فإذا انقطعت الموسيقى جلسوا بهدوء، إلا اثنين، لا يجلسان حتى يدفع أحدهما الآخر ويكاد يطؤه كي يصل إلى الكرسي قبله، فالكرسي عنده مسألة بقاء أو انتهاء بقائه في اللعبة أو انتهائها بالنسبة له . ما أشبه ما يحدث في بلدنا الصغير بلعبة الكراسي الموسيقية ، غير أن المعركة هنا ليست بين اثنين، إنما بين العشرات، داخل اللعبة وخارجها، فالذين هم داخلها يتقاتلون ليبقوا داخل المشهد، أما الذين هم خارجها فيذكرونك بجمهور متعطش للدم، في مدرج مظلم، حول حلبة يتقاتل فيها اثنان، فتراهم يصرخون بأحدهما: (اقضِ عليه ، اقضِ عليه).

          ترى ما الذي أصابنا لننسى كل جميل؟ ما الذي يجعل الواحد منّا لا يبالي ليصل إلى كرسي البرلمان بالدنيا ومن عليها ؟ فتراه يلفق التهم للأبرياء، أو يبذل أموال الرُّشا لشراء الأصوات والذمم ، أو يظن ألاّ صعود له إلا على أنقاض منافسيه ! ترى، إلى أي مدى سنصل فيما بقي من وقت حتى نهاية هذا المشهد؟ ما الذي سيسلم لنا من بيوتنا وأحيائنا وعلاقاتنا الجميلة ؟

          عندما كنت صغيراً، كنت أتعجب من التوتر الذي تصاب به أمي وأخواتي عندما يقترب عرس أحد الأشقاء أو إحدى القريبات، كانت أمي تهمس في أذن أخواتي: “الله ينهي العرس على خير”. وكبرت ، وعرفت السبب ، ذلك أن أي شيء كفيل بإشعال النزاع بين عائلتي العروسين، كل يريد أن يظهر أمام المدعوين أكرم وأفضل وأرقى.

واليوم ، حين أجلس على سجادة الصلاة، أنسى كل همومي، فكل شيء يصغر أمام همّ الوطن، أرفع كفي إلى السماء وأقول: ” اللهم احفظ لنا أخلاقنا ، اللهم لاتولّي علينا إلا خيارنا وأبعد عنّا أشرارنا ، اللهم اختم لنا هذا العرس الديمقراطي على خير”.

          انتهى كلام الأخ القارئ الكريم ، وإن كان لي من تعليق عليه ، فهو أنني أخشى أن يكون هذا شعور كثير من الناس ، الذين يتألمون لما وصلت إليه حال التنافس بين بعض المترشحين ، والتي يمكن أن نطلق عليها أي صفة إلا أن تكون تنافساً شريفاً . وأخشى كذلك أن أقول أن التنافس الانتخابي على هذا النحو ( دوس ، اتهامات رشاوى ، تشويه ، إشاعات ، تلفيق … إلخ  ) يكاد يكون مقصوراً في بعض دوائر الشارع السني – للأسف الشديد – أو هذا ما نقرأه ونسمعه على الأقل حتى الآن ،  بينما نغبط إخواننا في الشارع الشيعي حيث ينشغل المترشحون بطرح أنفسهم وبرامجهم وكفاءاتهم ومؤهلاتهم ، وربما تنحصر معركتهم وأدواتهم ووسائلهم الانتخابية في ذلك دون غيرها .

أضف تعليق