راصد

المســـاكين

هم مجموعة من المواطنين ، شاء القدر أن يكونوا في طليعة الذين استجابوا للمشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى ، تحمّسوا له وتطلّعوا لخدمة الوطن والشعب من خلال أحد أهم ثمار ذاك المشروع ، فرشحوا أنفسهم لنيل أحد مقاعد مجلس النواب ، اختارهم الناخبون ووضعوا فيهم ثقتهم وحمّلوهم آمال وبنوا عليهم أمنيات طالما انتظروا من يمثلهم بشأنها بعد غياب الحالة النيابية أكثر من نيف وعشرين عاماً. ثم دفعوا بهم ليتصدّروا المشهد العام في المجتمع ، سواء في وسائل الإعلام أو في الديوانيات أو في الأندية والجمعيات أو المدارس والجامعات وبمجرّد دخولهم البرلمان انقطع مصدر رزقهم السابق وأصبحوا بحكم القانون مستقيلين من أعمالهم ، وليس لهم من دخل شهري سوى ما يتقاضونه من مجلس النواب .

وصارت هذه المجموعة من المواطنين ؛ يُشار إليهم بالبنان ، وهم محطّ الأنظار ومركز الأضواء وكذلك ( علش لسان ) يصعب أن يغيب ذكرهم في أي ناد أو مجلس أو تجمع أو صحيفة ، بل صاروا حديث من ليس لديه موضوع ومصدر إلهام لأصحاب الأعمدة والمنتديات الإلكترونية حينما تنقصهم أو تغيب عنهم الأفكار ، ويلاحقهم الحاسدون والخاسرون من المنافسة الانتخابية بالنقد والمحاسبة ، سواء بالحق أو بالباطل .

وارتفعت أمامهم أسقف مطالبات الناس ، بعض الناخبين لا يتورعون حتى عن تعييرهم أو المنّ عليهم بأنهم أعطوهم أصواتهم . يُراد من هذه المجموعة من المواطنين أن يحلّوا الآن مشكلة الإسكان بعدما طافت قوائم الانتظار المتحصلة منذ عقود من الزمان أرقاما قياسية تجاوزت – ربما – الأربعون ألفاً ويُراد منهم أن يوظفوا العاطلين من أبنائهم وأن يدرّسوا في الجامعات والمعاهد ما تدفع به المدارس من خريجي الثانوية العامة ويُراد منهم إدراج الفقراء والمعوزين ( وهم كثرة ) ضمن مستحقي المساعدات الاجتماعية ويُراد منهم محاربة الغلاء وزيادة المكافآت والرواتب ويُراد منهم وقف انقطاعات الكهرباء ، وبالمناسبة منهم من يطالبهم بتسديد فواتير الكهرباء والماء والهاتف .

ويُراد منهم معالجة مشكلات الصيادين وأصحاب الأجرة والمعلمين ومدرّبي السياقة والممرضين والأطباء و(المرضى) وموظفي الجمارك وشرطة الآداب ومكافحة المخدرات ( والقائمة تطول ) ويُراد منهم شقّ طرق أو رصفها أو وضع مرتفعات أو إنارة شوارع أو حفر مجاري وربما ( شفط بواليع ) ويُراد منهم أن يفتحوا مجالس وديوانيات يلتقون الناس فيها ويضيفوهم ويؤجروا مكاتب يستقبلوا مالذّ وطاب من الشكاوى والطلبات ، ويُراد منهم أن يصبحوا مخلّصي خدمات ومعاملات في الوزارات والهيئات ، ويُراد منهم الردّ على الهواتف الثابتة والنقالة على مدار الساعة ، لافرق بين ليل ونهار ، ويُراد منهم معونات موسمية أو طارئة ، ويُراد منهم أن يكونوا ( حاتميين ) وألاّ تكون يدهم ( يابسة ) ويُراد منهم تنظيم أنشطة أو احتفالات برعايتهم وعلى حسابهم الشخصي ، ويُراد منهم المشاركة في الأفراح والأحزان والمساهمة في علاج المرضى أو – ربما – إطلاق سراح السجناء والمعتقلين أو حتى دفع كفالتهم . ويُراد ويُراد منهم الكثير الكثير من الخدمات الاجتماعية والإسكانية والبلدية ( لافرق ) و( التشغيلية ) والمساعداتية و( الواسطية ) وما شابهها مما قد يصعب تحقيقه حتى على من كانت لديه عصا سحرية أو يحمل فانوس علاء الدين . ويُراد منهم أيضاً أن تكون لهم مكانة وهيبة ، يخاف منهم الوزراء والمسؤولون ، ولاتضعفهم الإغراءات ولاتهزّ مواقفهم الابتزازات .

ثم اكتشفت هذه المجموعة من المواطنين أنه – رغم كل ذلك – يُراد لهم ألاّ تزيد مكافأتهم الشهرية وأن تبقى كما هي رغم ما يتنازعها من مصروفات متزايدة على مكاتبهم ومجالسهم وموظفيهم ومعاونيهم وزياراتهم ومساعداتهم وهداياهم وعطاياهم و( الفواتير التي يسددونها ) . وإن كانوا منتمين لجمعية اقتطعت جزءاً من هذه المكافآت التي يُراد لها أن يُصرف ما يتبقى منها أيضاً على أسر وأبناء هذه المجموعة من المواطنين ( لأنهم ليسوا مقطوعين من شجرة ) رغم أن قيمة المكافأة التي يحصلون عليها قد لا تساوي راتب مدير أو وكيل مساعد في هذه الأيام ! غير أن المجموعة ذاتها احتارت حينما عرفت أنه يُراد لها أيضاً – ضمن الكثير من الإرادات – أن لا يكون لها كغيرهم من النواب في مختلف دول العالم ضمان مستقبلي يسمى معاشاً تقاعدياً يحفظ لهم ولعوائلهم وأبنائهم معيشة كريمة إن لم يحظوا بالعودة إلى هذا البرلمان ، فلا بأس عند بعض ناخبيهم أن تنضم هذه المجموعة من المواطنين فيما بعد إلى قوائم الباحثين عن العمل أو المستفيدين من التأمين عند التعطّل أو المستحقين للمساعدات الاجتماعية !!

في الحقيقة بحكم عملي وقربي وعلاقاتي مع هؤلاء النواب الأفاضل في الفصلين التشريعيين الأول والثاني أحاول – لاعتبارات معينة – ألاّ أدافع عنهم في مقالاتي رغم أن لدي الكثير مما أستطيع بيانه عن الأداء والإنجاز لكنني في بعض محطات النقاش والجدل بشأنهم لا أملك أمام المبالغة في الغبن والإجحاف بحقهم إلاّ أن أردّد عنوان هذا المقال .

أضف تعليق