راصد

تاج عبداللطيف الشيخ

في بدايات شهر سبتمبر الماضي كنّا نبارك للدكتور عبداللطيف أحمد الشيخ بأن أقرّ الله عينه وعين زوجته بإتمام ابنهما أحمد حفظه للقرآن الكريم وعودته من مكة المكرمة التي قضى فيها ما يقارب الشهرين لإتمام الحفظ الأخير لكتاب الله العزيز . فأنعم بذلك على والديه بتاج من نور مصداقاً لوعد المصطفى صـلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الشريف ” من حفظ القرآن وتعلَّم وعمل به أُلبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوؤه مثل ضـوء الشمس ، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان : بم كسينا هذا ؟ فيقال : بأخذ ولدكما القرآن “.

وبالأمس حملنا على أكتافنا جسد أحمد ، ذي العشرين ربيعاً ، ووضعناه في لحده وأهلنا عليه التراب وودعناه حافظاً للقرآن الكريم كاملاً وبارّاً لوالديه وملبسهما تاج من نور . ولا نملك إلاّ نقدّم عزاؤنا لوالديه وأهله وأن نرفع أكفّنا بالدعاء له بالرحمة والمغفرة .

ولئن كان الأبناء هم الأكباد والمهج والعيون فإن فقدانهم يؤدي إلى أن يبلغ الحزن والأسى مداه ، ولذا كانت أوامر ديننا العظيم تحثّ على الصبر، وقوّة التّحمل، حتى تهدأ النفوس، وتتحمّل وطأة هذه المصيبة ، مصيبة الموت التي اقتضت حكمة الله البالغة أن يذوق مرارته كل إنسان، ويفرّق بين الأحبّة ، ويدخل كل بيت ، ويكون وقعه على النفس أليم وشديد . فكان من تسلية المولى عز وجلّ للنفس أن قرن الصبر عند وقوع الموت بالثواب ، ووعد الصابر بالأجر الجزيل ، عند الله يوم القيامة .

وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، الخليفة الأموي، الذي كان يسمى الخليفة الراشد الخامس، ضرب نموذجاً رائعاً من النماذج التي تحتذى بالصبر، وقوة التحمل، وعدم الجزع عندما مات ابنه عبد الملك .  فحينما دفنه وسوّى عليه قبره بالأرض ووضعوا عنده خشبيتين من زيتون ، إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه ، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة واستوى قائما وأحاط به الناس فقال عمر : رحمك الله يا بني لقد كنت بارًّا بأبيك ،  والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورا بك ، ولا والله ما كنت قط أشد بك مسرورا ولا أرجي بحظي من الله فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه ، فرحمك الله وغفر لك ذنبك وجزاك بأحسن عملك ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب ، رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمر الله والحمد لله رب العالمين . ثم انصرف. فاللهم اغفر لأحمد وتغمده بواسع رحمتك وأسكنه فسيح جناتك مع السفرة الكرام ، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام ”  وألهم والديه وعائلته الكريمة وأحبائه الصبر والسلوان واجعله من الباقيات الصالحات التي تشفع لهم عند ربّ العزة والجلال .

أضف تعليق