يقول بعض الناس في المجالس وعموم اللقاءات أن الهدايا والعطايا التي يقدمها بعض المترشحين للانتخابات هذه الأيام ، سواء كانت نقدية أو عينية تأتي على شكل مكيفات أو ثلاجات أو غسالات أو أفران أو تلفزيونات أو … إلخ هي أعمال خير ومساعدات وليست الرشاوى المحرمة في شريعتنا الإسلامية ، وليست الملعون صاحبها والمسـتفيد منها والوسيط بينهما ، وذلك بحسب ما رواه بإسناد صحيح عَبد اللَّه بن عمر حيث قَالَ : ” لَعَنَ رسـول اللَّه صلَى اللَّه عليه وســلَّم الرَّاشِيَ وَالمُرتشي والـرائش “. واللعن : هو الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى .
وهذا الكلام مردود عليه ، فما يُقدم في هذه الأيام الانتخابية إنما هو رشاوى واضحة وليست مساعدات وأعمال خيرية ، وذلك لعدّة أسباب ، لعلّ أبرزها يكمن في التوقيت فهؤلاء المترشحين لم يكن معروفاً عنهم في سابق حياتهم ومجاورتهم للناس اهتماماً بالعمل الخيري ، ولم يكن الالتفات إلى الفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل بمناطقهم في وارد فكرهم وحرصهم . لكنهم عندما قرروا ترشيح أنفسهم للبرلمان أو المجالس البلدية ، رأوا أن يدخلوا إلى الناس ويستقطبونهم بلباس أهل الخير والإحسان ، وأن ينافسوا الجمعيات والصناديق الخيرية في ذلك ، وأظهروا عطفاً غير مسبوق على أصحاب الحاجة والعوز وتراكضوا من أجل الإحسان إليهم والإغداق عليهم ومساعدتهم ، مساعدة محددة بوقت الانتخابات ، لم يسبق تقديمها في السنوات السابقة ، وليس من المتوقع تكرارها إلاّ بعد أربع سنوات إن أراد صاحبها إعادة ترشيحه ، ولذلك فهي رشوة لتحقيق غرض معين في وقت محدد ، لا أكثر ولا أقل .
وهي رشاوى وليست مساعدات لأن مقدميها ليسوا مخلصين في عطاياهم ولا ينشدون من ورائها الأجر والمثوبة ولا يطلبون لأجلها مرضاة المولى عز وجل ، ولا يقرضون الله بها قرضاً حسناً ، ولا يتبعون في توزيعها هدي المصطفى صلى الله عليه وسلّم : ” رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه “
وهي رشاوى وليست مساعدات لدناءتها في الاستغلال ، وذلك من جانبين : أولاً : استغلال حاجات الناس وفقرهم وعوزهم وبالتالي شراء أصواتهم وذممهم واسترخاصها بهذه الرشاوى التي يسمونها مساعدات بينما هي لاعلاقة لها بالمساعدات الخيرية والإنسانية النبيلة والبريئة والشريفة ، حتى أن بعض الأجهزة الكهربائية ( الرشاوى ) بحسب ما يجري تناقله سيئة الصنع ورديئة التشغيل . وجانب الدناءة الثاني استغلال ضعف وعي الناس – أو البسطاء منهم – بأعمال ومهام المجلس النيابي وتكريس فكرة بأن دور النائب يكون في تقديم هذه الخدمات والمساعدات ( الرشاوى ) وتوزيع مكيفات أو ثلاجات أو تلفزيونات وماشابهها أو … إلخ فيُسهم بذلك في زيادة إضعاف وتسطيح الوعي الجمعي وصرفه عن الأدوار والمهام الحقيقية والمفترضة للنائب البرلماني المحصورة في التشريع والرقابة حسبما هو مبين دستورياً وقانونياً . وليس في الخدمات والمساعدات والبلديات .
وهي رشاوى وليست مساعدات لأن مقدميها عمدوا إليها لتغطية نقص أو سمعة سيئة أو عيب في شخصياتهم وقدراتهم رأوا أنهم لايمكن أن يستقطبوا الناخبين أو يقنعونهم بكفاءاتهم وإمكانياتهم ومؤهلاتهم وصلاحيتهم إلاّ بالطرق الملتوية والنصب والاحتيال على الناخبين بتقديم رشاوى يسمونها لهم مساعدات . وكلّما زاد هذا العيب والنقص في مرشح أسرف في الرشاوى لتسويق نفسه متخفياً من ذاك العيب والنقص ، ولعلّ أكثر المترشحين لجوءاً إلى ( الرشاوى الانتخابية ) هم أسوأهم سمعة وأكثرهم عيوباً وأضعفهم قدرة ومؤهلات وإمكانيات . وبالتالي ليس أمامهم إلاّ هذا السلوك المشين في الحملة والدعاية الانتخابية لهم .
الرشاوى في العرف واللغة والشرع تعني : ” مايُراد من وراء تقديمها إحقاق باطل أو إبطال حق ” وأترك للقراء الكرام إسقاط هذا التعريف على المرشحين ، أصحاب الرشاوى .
وعلى العموم ، فإن الصحيح بأن المترشح للانتخابات يجب أن يعرض مقوّماته الشخصية وبرنامج وخطة عمله ومقترحاته لا أن يكون مجرّد موزع مكيفات وثلاجات وتلفزيونات وتليفونات وما شابهها من أنواع الرشاوى التي نأمل أن ينتبه لها الناخبون ويعرفوا أن من يستهين بدينه ويتجرأ على ارتكاب الحرام ويشتري أصواتهم ويستغلّ حاجتهم ويسترخص ذممهم اليوم بأثمان غالية سوف يدوس عليهم ويبيعهم غداً برخص التراب .