للرفق والأناة نتائج غالباً ما تكون باهرة في شتى مناحي الحياة يصعب في العادة تحقيقها من غير اللجوء إليهما . فهذا الفلاّح الذي يحرث أرضه بكل عناية ثم يضع بذور زراعته بمنتهى الرفق ثم يغطيها ويحفظها برعاية تامة ، وبعد ذلك يرويها ويصبر على تقلبات الأجواء عليها باختلاف فصولها من أمطار أو برودة أو حرارة وينتظر نموها حتى تأتيه بأفضل الثمرات . وهذه الأم أو الأب الرؤوم بأبنائه ؛ كيف يتأنى مع أبنائه ويفيض عليهم من أناته ورفقه بهم ما يعزز سويّة أطباعهم ونبل أخلاقهم على خلاف ما قد يغرسه الأب الحانق أو الغاضب في فلذات أكباده . وانظروا إلى المعلّم مع تلاميذه حينما يرفق بهم ويصبر على جهلهم وتأخر فهمهم وصعوبة استيعابهم ويتابع تدريسهم بكل نشاط وحيوية دونما ملل أو كلل حتى يفرح فيما بعد بنجابتهم وتميزهم .
الرفق والأناة والحلم ، صفات يسهل على الكثيرين حثّ الآخرين على التحلّي بها ودعوتهم نحو الالتزام بها . لكن قلّة من الناس من يستطيع أن يتصف بها أو أن تكون ملامح بارزة في شخصيته ، أو أن تكون بصماتها مطبوعة على سائر أعماله ونشاطه .
وتكمن صعوبة التطبّع بهذه الصفات ، الرفق والأناة ، في كون أن الإنسان مجبول على التسرّع والعجلة وما شابهها من خبايا غالبة في النفس البشرية التي لا تتطلّع إلاّ إلى ما يكون أمام ناظريها ويحدث أمامها دون أن تعطي اهتماماً لما وراء الأحداث وثمارها في قابل الأيام ومستقبلها .
ومن هؤلاء القلّة الذين نعرفهم وارتبطت أسماؤهم بالهدوء ولين الجانب والأناة والصبر هو الوالد الفاضل خليفة بن أحمد الظهراني رئيس مجلس النواب ، وهو شخصية استطاعت أن تفرض هذه الصفات على كثير من المشاهد السياسية خلال السنوات القليلة الماضية التي لولا رفقه في إدارته لتلك المشاهد وحسن تأنيه في اتخاذ ما يناسبها من القرارات لأصبحت لها انعكاسات أخرى ، ربما لا تُحمد عقباها .
كثيرون كانوا يعتبون على الظهراني ما يعتبرونه مهادنة منه للحكومة ، ولا تعجبهم بعض مواقفه التي يتخذها وفق قاعدة ( الهون أبرك ما يكون ) وتستفزّهم تدخلات مطرقته لوقف أي تجريح أو إساءة لشخصيات الوزراء والمسؤولين أو ما شابهها من أمور يكتشف غالب هؤلاء ( الكُثُر) فيما بعد صحة موقف الظهراني وحكمة تصرّفه بالإضافة إلى سموّ أخلاقه التي كانت تدفع مخالفيه والمحتدّين معه إلى المسارعة بالاعتذار إليه بمجرّد الانتهاء من جلسات المجلس ، ليس اكتشافاً وإقراراً بصحة ما ذهب إليه فحسب وإنما أيضاً احتراماً وتقديراً لشخصية عرفوا مقدار وطنيتها وإخلاصها وحرصها على نجاح واستمرارية ونمو وتطوّر إحدى أهم مؤسسات المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى ، المؤسسة التي غابت عن حياة الناس في البحرين ما يقارب ربع قرن ؛ أعطاها – حين عودتها وتشرّفه بانتخابه رئيساً لها على مدار فصلين تشريعيين متتاليين – من جهده وصحته وحياته ، وقبل ذلك من حرصه ورفقه وأناته الذي كان يدعو النواب لها دائماً بقوله : ” زريعتكم غضة ، داروا عليها ، ليشتدّ عودها وتجنوا خيرها ” .