هناك أكثر من أسلوب يمكن أن يتعامل به الإنسان مع ظروفه ويتكيف من خلاله مع متغيرات حياته ، وهذا الأسلوب قد يكلفنا عند تطبيقه وممارسته الكثير خاصة تلك التحولات التي تستلزم أن يكون الأطفال إزاءها كالرجال ، وأن تنقضي سنوات طفولتهم وينطوي ربيع شبابهم سريعاً فيفقدوا أحلى لحظات حياتهم وتتسارع سني أعمارهم قبل أوانها لكن القليل من الناس الذين يعاودون الرجوع إليها والاستفادة مما قد تتيحه لهم الحياة في تلك الأعمار ليعيدوا رسم أوضاعهم ويبنوا مستقبلهم من جديد دونما يأس من توقف العجلات أو فوات القطار .
ومن هؤلاء القليل غانم جمعة العطاوي الذي غادر مقاعد الدراسة في نهاية المرحلة الإعدادية ، وهو ابن السادسة عشرة ربيعاً عندما اضطرته ظروفه الاجتماعية وما نشأ عن رحيل والده من حاجة وعوز إلى العمل في مهنة ” مفصّل أنابيب ” بالشركة العربية لإصلاح السفن ” أسري ” أو ما درجنا على تسميتها بالحوض الجاف حيث يخرج في الصباح الباكر مع أقرانه ومن هم في سنّه لكن لا ليذهب معهم إلى مدارسهم؛ إنما ليلتحق بركب العمّال وأكثرهم أجانب ليعود في المساء ب” البلرسوت ” وهو لباس العمّال .
واشتدّ عود غانم في هذه المهنة وبدت آثارها على تقاسيم وجهه وتجاعيد يده التي بات واضحاً أنها لشخص أكبر من سنّه . غير أن غانم كان يراقب زملاء الدراسة ويغبطهم ويتمنى اليوم الذي يعود للمقاعد الدراسية التي تركها . وبالفعل بعد ما يزيد على العشر سنوات من العمل والمعاناة قرّر غانم – بعدما كبر إخوانه وتحسنت أحوال عائلته – الاستجابة لحنين مواصلة دراسته ، عدته في ذلك العزم والإصرار ، والجدّ والمثابرة . كان يرى في الدراسة شيئاً مقدساً لايمكنه التفريط به إذ ينكبّ على كتبها ودفاترها بعد أن يعود منهكاً من عمله الذي لانحتاج إلى بيان مقدار التعب والإنهاك في مهنة تتعلق بالبواخر وناقلات النفط . نجح غانم وحصل على الثانوية العامة بامتياز وتفوق ليواصل طموحه في الالتحاق بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية مبتعثاً إليها ضمن طلبة البحرين الذين نالوا أعلى الدرجات التي تؤهلهم للاستفادة من منح وبعثات وزارة التربية والتعليم تاركاً زوجته وابنته في البحرين ليكون في الدراسة مع من هم في سن أبنائه ، بل وحظي بتشجيع ودعم ورضى من زوجته التي صبرت وعانت من غيابه عن العائلة سنوات الدراسة الأربع .
غانم العطاوي الذي انقطع عن الدراسة وهو ابن السادسة عشرة في مرحلتها الإعدادية ثم عاد إليها وهو ابن السادسة والعشرين ، والذي لم يكتف بحصوله على ثانويتها العامة أنهى مرحلة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية في جامعة الملك سعود ، وأيضاً بامتياز وتفوّق ، وعاد ليكون أحد مدرسي اللغة العربية في مدارس وزارة التربية والتعليم التي أمضى فيها حتى الآن خمسة عشرة سنة ثم التحق بجامعة البحرين ليحصل على دبلوم عال في تخصص مصادر التعليم الذي أهله لوظيف اختصاصي مركز مصادر التعلم ، وغانم ربما لايعرف أكثر تلامذته قصته ، قصة صبر واجتهاد ، وقصة احتساب ومعاناة ، وقصة كبار وإن كانوا صغار سن ، قصة شغف واهتمام بالدراسة وقصة عزم وإصرار نعتقد أن كثرة منّا ومن أبنائنا بحاجة ليعرفوا تفاصيلها ويحذوا حذوها . كما نأمل من وزارة التربية والتعليم أن تضع نصب عينها مثل هذه النوعية من منسوبيها الذين يستحقون الرعاية والتقدير .