راصد

فاطمة علي جمعة

 هي أرملة عمرها الآن 46 سنة مات زوجها بعد حياة زوجية استمرت خمس سنوات فقط لتجد نفسها من بعد رحيله وحيدة مع ثلاث بنات لم تتجاوز أكبرهن الثلاث سنوات من ربيع حياتها . وبدأت رحلتها مع الزمن والمشكلات والمسئوليات ، عرفت معنى الصلابة والقوة والرجولة في آن واحد مع أنها امرأة إلا أنها عرفت أن بيدها أمانة لابد أن تعطيها حقها ولمسات وفاء للراحل زوجها فتحملت وفعلت ما يمل منه الرجال ربت وتعبت وعانت وحرمت نفسها وبناتها اليتيمات من كثير من الكماليات ومما يسعد به الأطفال في سني أعمارهم . كانت حينها فتاة يافعة طالما تمنت أشياء وأشياء ولكن العزائم والهمم كانت أكبر من أن تفتّ في عضدها أو توهن من حيويتها أو تثبط من جرأتها على مواجهة الزمن بأطفالها الثلاثة الصغار ن سلاحها في ذلك بالإضافة إلى الإصرار ماكينة خياطة وأدوات تجميل بسيطة تسترزق منها ما يسدّ حاجتها وأطفالها .

فاطمة لاتحمل أي مؤهل علمي ، بالكاد تقرأ وتكتب ، لم تدخل المدارس ولا الجامعات غير أن صمودها وحرصها على تربية أبنائها بعد ترملها أعتقد أن كثرة من الجامعيات قد لايصلن إلى مراتبها وحسن صنيعها . تقول عن نفسها أخذت عهداً على نفسي ألا يشعر بناتي بأي نقص عن غيرهن ، وأن أبذل حياتي من أجلهن وأن أكون مطيتهن لمستقبل زاهر ، كنت أخرج معهن في الصباح الباكر لانتظر الباص الذي يأخذهن إلى مدارسهن وفي الظهيرة أعود لنفس المحطة مشياً على الأقدام لأستلمهن ، سنوات بعد سنوات . وتضيف أن تعليمهن كان هو شغلي الشاغل ،  حرمتهم من كثير من الأشياء ، في الأكل والملبس والزينة وغيرها . واستمرت تخوض  معركتها مع الزمن والقدر والناس ، وراحت ترسـم على جبين بناتها أحلامها ، وعلّمتهم أن الحياة ليست ترف ورفاهية ، وعلمتهم أساسيات في الاعتماد على أنفسهن يصعب على غيرها تلقين أبنائها مثلما حفرت فاطمة في بناتها هذه المعاني الرجولية . بالطبع كان يمكنها أن تندب حظها وتشكو حالها وتستسلم لعجزها وحاجتها فتركن إلى المساعدات وتترك بناتها يأكلن ويشربن ويتعلّمن كغيرهن وأمثالهن ممن ابتلوا بمصائب فقد أولياء أمورهن .، لكنها أبداً لم تفعل ذلك .

كان حصاد هذه التربية في هذه الرحلة الصعبة التي عاشتها فاطمة هو ما نالته من بناتها اللاتي استلمتهن صغاراً لايتعدى عمر أكبرهن ثلاث سوات فإذا بهن خريجات جامعيات في تخصصات مختلفة ؛ فهذه بشرى تتخرج من كلية الهندسة لتحصل على بكالوريوس  بامتياز وأختها بتول تحصل على بكالوريوس في نظم المعلومات ولاتزال الأخت الثالثة خاتون تدرس الطب في جامعة الخليج العربي . وهكذا فقد نجحت أم بشرى وبتول وخاتون في جعل أحلامها حقيقة بعدما لعبت دور ألام والأب والأخت والقريبة والصديقة ، وحصلت مؤخراً  – باقتدار- على جائزة سمو الراحل الشيخ فيصل بن حمد  للأم المثالية في الحفل الذي نظمته مشكورة لجنة كفالة الأيتام بالديوان الملكي . 

أضف تعليق