من الأخبار أو الإحصاءات المحزنة التي نُشرت خلال الأسبوع الماضي ومرّت دون أن يُلتفت لها هو ما نُشر عن انخفاض في عدد الناخبين في دائرتين بمحافظة المحرق ، هما الثالثة والخامسة . إذ أنه بحسب جداول الناخبين التي تم نشرها في المراكز الإشرافية للانتخابات فإن نسبة التراجع في الدائرة الثالثة بلغت (40%) حيث كان عدد الناخبين عام 2006م (5079) ناخباً بينما الآن (3024) ناخباً وكذلك في الدائرة الخامسة التي كان عدد ناخبيها في عام 2006م (5860) ناخباً بينما الآن ( 4985) ناخباً .
وبحسبة رياضية بسيطة ؛ فإن مجموع الذين ظعنوا من هاتين الدائرتين خلال أربع سنوات فقط يبلغ (2930) ناخباً ، يعني مايقارب ثلاثة آلاف مواطن تركوا مايمكن تسميته ” قلب المحرق ووسطها ” الذي يدور عن هذه المنطقة بالذات أكثر الكلام عن أهمية المحافظة على هويتها والإبقاء على عوائلها والمحافظة على عراقتها في حين أن هذا الكلام أو التصريحات لايسندها في الواقع العملي إلا ما ترون وتشاهدون من صنوف إهمال ونسيان عانت منها تلك المناطق بالمحرق على مدار عقود من الزمان أسهمت في تشريد ناسها وتطفيشهم وتغريبهم وتفريق مجاميعهم وتغيّر هوية فرجان بأكملها حتى أن بيوتـات عــوائــل معروفــة كانت ملفى النــاس ومحــالهم ومــلاذ تجمعاتهم ونواخذتهم صارت خرائب أو كالعنابر أو ” خان ” للعمال الآسيويين وغيرهم ، وغابت أسماؤهم عن دنيا المحرق وسمائها ، أو اضطرتهم ضيق ذات اليد لبيع منازلهم والتخلي عنها لغيرهم ، وعيالهم التي كبرت دون أن تتسع لإيوائهم الدُور والبيوتات هي التي دفعتهم للنزوح منها ، والخدمات والتطويرات التي طالت مناطق أخرى وأغفلتهم هي التي أغرتهم لترك المحرق ، والمشروعات والإمتدادات الإسكانية التي حظي بها الآخرون وأهملتهم هي التي دفعت أهالي هاتين الدائرتين – ومن بجوارهم أيضاً – لمغادرتها. وهنالك عشـرات وربما مئات من المواطنين الذين تطوى سني أعمارهم في المحرق ويقاربون الشـيخوخة وهم ينتـظرون رحمة المولى عز وجل بأن يتوسعوا في بيوتهم أو يصلحوا ماتصدّع منها أو يرممّوا ما آل منها إلى السقوط أو يحصلوا على سكن يضم على الأقل أبنـاءهم وأحفادهم في هذه المنطقة العزيزة عليهم بعدما مضى – أو كاد- قطار أعمـارهم .
بالتأكيد ليس هؤلاء الثلاثة آلاف فقط هم الذين ظعنوا من المحرق فقط ( وسط المحرق وأصلها ومركزها التاريخي والتراثي ) إذ شهدت المحرق خلال السنوات الماضية خروج – ربما – أضعاف الثلاثة آلاف من المواطنين الذين ودعوا شوارعها وطرقاتها بينما قلوبهم تتفطّر حناناً وشغفاً بها ، وقد تنزل دموع بعضهم من مآقيها حينما يتذكرون دُورهََم ومنازلهم وحين تمر بذاكرتهم سواحلها و” أسيافها ” وعرشانها وحين يطرون ” دواعيسها ” وأزقتها .
آلاف من المـواطنين وُلدوا في المحرّق ونشأوا في رحابها وتنفسوا من هوائها ولامست أجسادهم عيونها ومياه بحارها ، وخُتم على رئاتهم التي يتنفسـّون بها عبقها ونسـماتها ، وتعلقـت قلوبهم بفرجــانها مثـــل ” البنعــلي ” و” الصـنقل ” و” المــرّي” و” المحمــيد ” و” بن خاطر ” و” عين ســــمادو ” و” الصــــاغة ” و” العمــامــرة ” و” ستيشن ” و” الغاوي ” وغيرها ، ؛ لم يغادروها إلا بسبب الحاجة وإهمالهم وبعدما ضاقت بهم السـبل .
من الأوصاف المعبرة عما آلت إليه هذه المناطق الهامة من المحرق هو ما قاله مؤخراً رجل الأعمال السيد علي راشد الأمين في مجلسه الرمضاني ” المحرق أطرافها حديثة وأحشاؤها خراب “