بعض الأشخاص حُفرت مكانتهم في عقول الناس وأفئدتهم ، وصارت لهم حظوة وحضور في المجالس والديوانيات بحيث يحرص أصحابها على أن يتصدر هؤلاء مجالسهم . إذا رأيتهم فإن تقبيل رؤوسهم هو الفعل الطبيعي الذي يتبادر إليك فعله بداهة وليس تكلفا ، وأدباً واحتراماً وليس مجاملة . ومن هؤلاء النفر والدنا الفاضل محمد صالح عبدالرزاق القحطاني أمدّه الله بالصحة والعافية . مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام والأنشطة التربوية السابق بوزارة التربية والتعليم وأحد الأعمدة المؤسسين لصروح التعليم الذين لايمكن تعدادهم بدون أن يكون من بينهم فقد أمضى أكثر من (42) عاماً في قطاع التربية والتعليم ، وهو رائد كشافة البحرين وأحد قادتها الأوائل الذين لاتفارق بصماتهم جميع أنشطتها وأنظمتها حتى يومنا .
تشرّفت بالعمل تحت إدارته في أواخر الثمانينات ، بعد تخرّجي من الجامعة ، كانت مدة عملي ما يقارب الثلاث سنوات ونصف ؛ رأيت خلالها فيه مدرســة في الإدارة المخلصة لمؤسستها ، لايسبقه أحد من الموظفين في الدوام في بواكير الصــباح مثلما لايخرج في المساء إلا بعد خروج الجميع . ولايغيب عن العمل إلا إذا كان في مهمة رسمية ، كان غاية في المحافظة على الوقت ومنتهى الانضــباط بحيث يُحرج سلوكه كل من يُفكر في التسـيب حينما يرى هذا النموذج الراقي في المحافظة على أوقات العمل .
وبمناسبة المهام الرسمية ؛ فإني عرفت فيما بعد أن ” أبوقتيبة ” محمد صالح عبدالرزاق القحطاني قد اعتاد حينما يعود من السفر في مهام رسمية أن يُرجع ماتبقى من مخصصات مالية لسفره إلى ميزانية الوزارة في خطوة لم أسمع حتى الآن من يفعلها غيره . وله غير ذلك طقوس وآداب في الالتزام بالأمانة والنزاهة والنظام قلّما تتوافر لآخرين فضلاً عن دماثة أخلاقه وتعامله واحترامه لموظفيه ، صغيرهم كما كبيرهم .
دخلت بيته ذات مرة فرأيت فيها مكتبة فاخرة بالمجلدات والكتب ومعها ذكريات ومذكرات هي محطات هامة في تاريخ التعليم في البحرين ، فلقد كان أبوقتيبة قارئاً نهماً ومؤرخاً دقيقاً .
ورغم حساسية منصبه وأهميته إلا أنه دائما مايراه تكليفاً وليس تشريفاً ، ولم يسع من خلاله إلى تكسّب الوجاهة وحب الظهور كما قد يفعل غيره ، ورغم بلوغه سن التقاعد إلا أن حيويته وحركته ومتابعاته لم تكن توحي إلا بتمتعه بروح الشباب وذهن الناضجين النابغين ، وأحسـب أنه لا يزال كذلك حتى بعد مرور هذه السنوات على تقاعده .
بعض الناس حينما يتقاعدون تنطفيء شمعة نشاطهم وتخبو جذوة حركتهم ، ويجاورون الكسل والخمول ، وقد يصل بهم الحال حتى إلى اعتزال الناس ! غير أن محمد صالح عبدالرزاق القحطاني كان غير ذلك تماماً فقد استمر في عضوية العديد من الجمعيات الخيرية والاجتماعية وزاد من فاعليته ونشاطه وإسهاماته . ” أبوقتيبة ” بعد تقاعده في عام 1993م وهو ذات العام الذي حصل فيه على جائزة الدولة للعمل الوطني حصل في عام 1997م على وسام مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الدرجة الأولى في العمل الكشفي من الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وفي عام 1998م حصل على شهادة يوم التطوع العالمي من وزارة العمل والشئون الاجتماعية بمملكة البحرين وفي عام 2000م حصل على شهادة وجائزة تكريم رواد العمل الاجتماعي في الخليج العربي من المكتب التنفيذي لوزراء العمل والشئون الاجتماعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بمناسبة الاحتفال بالأسبوع العربي الخليجي الخامس للعمل الاجتماعي الذي عقد في دولة قطر وفي عام 2005م حصل على درع وشهادة التميز في العطاء التطوعي من وزارة التنمية الاجتماعية بمملكة البحرين بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمتطوعين .
ولا يزال محمد صالح عبدالرزاق القحطاني مستمراً في تواصله المجتمعي مع الناس في أفراحهم وأحزانهم وسائر مناسباتهم بالضبط كما كان قبل تقاعده . ليقدم لنا نموذجا رائعاً في تقاعده مثلما قدم نموذجاً رائعاً أثناء عمله ، التقاعد مرحلة من مراحل الحياة وليس نهايتها .