راصد

أين مرسوم بقانون رقم (16) لسنة 1998م

بتاريخ 26 مايو 1998، أي قبل حوالي عشر سنوات من الآن ؛ وقف في الجلسة (24) من  جلسات مجلس الشورى السابق في دور انعقاده السادس سعادة الدكتور فيصل بن رضي الموسوي وزير الصحة ( آنذاك ) وقال لأعضاء المجلس الموقرين أثناء مناقشتهم مشروع قانون بشأن نقل وزراعة الأعضاء البشرية – وأنا أنقل من مضبطة الجلسة ذاتها  – : ” نحن نناقش هذا الموضوع وهناك أناس يموتون بسبب عدم وجود من يتبرع لهم بكلى، ويوجد لدينا في مستشفى السلمانية (20) مريضاً ينتظرون من يتبرع لهم بكلى ، ولكن ثلاثة أرباعهم ليس عندهم أقارب تنطبق كليتهم مع كلية المريض ، ماذا يفعل هؤلاء ال(15) شخصاً ؟ ! لا يستطيعون الحصول على كلى، وبيع الكلى ممنوع في العالم كله . هناك أناس على أجهزة الإنعاش ، فيجب علينا ألا نؤجل هذا القانون ، يجب أن نسرع في الموافقة عليه لأن هناك مرضى في أشد الحاجة إلى مثل هذا القانون،لأننا بهذا القانون سوف ننقذ حياتهم، وأرجو من المجلس أن يأخذ هذه النظرة بعين الاعتبار” ثم تكلّم في ذات الموضــوع أيضـاً ( قبـل حوالي عشــر ســـنوات ) السـيد عبدالرحمن بوعلي وكيـل وزارة الصحـة ( آنذاك ) فقال – وأنا أنقل من مضبطة الجلسـة – : ”  في الحقيقة من يعايش الوضع يختلف كثيراً عمن يسمع به ، ونحن في وزارة الصحة نعايش هذا الوضع يومياً ، نحن بحاجة ماسة إلى أن يقوم مجلسـكم الموقر بإجازة هذه المادة ( يقصد المادة الخامسة من مشروع القانون ) حتى نستطيع بموجبها إنقاذ حياة الكثير من المرضى الموجودين على قائمة الانتظار الآن ، هناك حوالي عشرين مريضاً ، منهم من أعرفه شخصياً ومنهم من يراجعني بين الوقت والآخر فأقول له بأننا في انتظار إجازة هذا القانون ” انتهى .

وبالفعل وافق مجلس الشورى على المشروع المذكور وصدر مباشـرة في الشهر التالي ، وبالضبط بتاريخ 13 يونيو 1998مرسوم بقانون رقم (16) لسنة 1998م بشأن نقل وزراعة الأعضاء البشرية الذي كان مطلباً ملحاً لوزارة الصحة لا يحتمل التأخير – حسبما قال وزير الصحة ووكيلها آنذاك في عام 1998م – ويتوقف على صدوره حياة الكثيرين من مرضى الفشل الكلوي الذي كانت تُجرى عمليات زراعة كلى لهم في البحرين ، في مستشفيات البحرين على أيدى البروفيسور حورج أبونا .

 لقد صدر القانون الذي وردت في نصوصه مواداً من مثل : المادة الأولى منه : ” يجوز للأطباء المتخصصين ، إجراء عمليات استئصال الأعضاء من جسم شخص حي أو جثة متوفى وزرعها في جسم شخص حي آخر، بقصد العلاج للمحافظة على حياته، وفقاً للشروط والإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون ”  والمادة الثانية منه : ” يجوز للشخص أن يتبرع أو يوصي بأحد أعضاء جسمه، ويشترط في المتبرع أو الموصي أن يكون كامل الأهلية قانوناً ، ويكون التبرع أو الوصية بموجب إقرار كتابي موقع عليه منه، ويشهد شاهدان كاملا الأهلية ”  والمادة الخامسة منه : ” يجوز نقل الأعضاء من جثة متوفى ، بشرط الحصول على موافقة أقرب الأشخاص إليه حتى الدرجة الثانية ، فإذا تعدد الأقارب في مرتبة واحدة ، وجبت موافقة غالبيتهم. وفي جميع الأحوال يجب أن تصدر الموافقة بإقرار كتابي، وذلك بالشروط التالية :

التحقق من الوفاة بصورة قاطعة ، بواسطة لجنة طبية تشكل من ثلاثة أطباء متخصصين من بينهم طبيب متخصص في الأمراض العصبية، على ألا يكون من بين أعضاء اللجنة الطبيب المنفذ للعملية. 2- ألا يكون الشخص المتوفى قد أوصى حال حياته بعدم استئصال أي عضو من جسمه وذلك بموجب إقرار كتابي يشهد عليه شاهدان كاملا الأهلية ” والمـادة السـادسة منه : ” يجوز بناءً على توصية لجنة طبية من ثلاثة أطباء اختصاصيين على الأقل نقل عضو من جثة متوفى- سواء  أكان معلوم الشخصية أو مجهولها – لزرعه في جسم حي في حاجة ضرورية لهذا العضو لإنقاذ حياته وذلك بعد موافقة وزير الصحة، بشرط إلا يكون المتوفى قد اعترض على النقل حال حياته أو يكون أقاربه المنصوص عليهم في المادة السابقة لم يوافقوا على النقل بعد وفاته ” والمادة الثامنة منه : ” يتم إجراء عمليات استئصال وزراعة الأعضاء البشرية في المراكز الطبية التي تخصصها وزارة الصحة لهذا الغرض ، وفق الإجراءات والشروط التي يصدر بها قرار من وزير الصحة ” وأخيراً المادة الحادية عشـرة منه : ” يصــدر وزير الصحة القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون “

ولكن بعد مرور ما يقارب العشر سنوات على صدور هذا القانون بشأن نقل وزراعة الأعضاء البشرية يحق لنا أن نتساءل : أين موقعه الآن من الإعراب ؟ ولماذا تم تجميده ؟ وهل صـدرت القرارات اللازمــة لتنفيذه ؟ وهل تتم في البحرين اليوم عمليـات زرع كلى ؟ غير أن السؤال الأهم : ما مصير العشرين مريضاً بالفشل الكلوي الذين كانوا عام 1998م ينتظرون فقط إجازة القـانون– حسبما قال وزير الصحة ووكيلها-  ( آنذاك ) من مجلس الشـورى السابق ؟ بل ما مصير اليوم العشرات – إن لم يكونوا بالمئات – الذين تقضي سني حياتهم بهذا المرض دون أن تتحرّك الجهات الرسمية لإنقاذهم وتفعيل قانون قال عنه سعادة السيد وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام قبل حوالي عشر سنوات ، وفي ذات الجلسة المذكورة لمجلس الشورى السابق التي تم فيها مناقشة مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية : ” لو كان هذا النقاش حول هذه المادة ( يقصد المادة الخامسة من مشروع القانون ) تم قبل سنوات كثيرة لوجدنا له مبررا ، ولكن بعد أن سبقنا آخرون كثيرون في إقرار هذا القانون وعُمل به وفُحص فحصاً دقيقاً ، شرعاً وعرفاً !! “

إنه لأمر محير هذا التجميد والتوقف عن تفعيل قانون كان قبل صدوره منذ عشر سنوات حاجة ماسة لا نعتقد أنها انتفت الآن بعد إقراره وإصداره ! كانوا يقولون آنذاك ، قبل عشر سنوات ، وفي ذات الجلسة أيضاً ، يقول وزير الصحة ( آنذاك ) : ” هذه المادة ( يقصد المادة الخامسة من مشروع القانون ) مهمة جدأ ، ويجب إبقاؤها ، بواسطة هذه المادة استطاعوا في السعودية زراعة أكثر من (400) كلية ، في الكويت أكثر من (130) كلية ، في سلطنة عمان أكثر من (10) كلى ، لدينا في المستشفى بعض المرضى يظلون على أجهزة التنفس لفترة طويلة ، وليس لهم أحد طوال هذه الفترة ولا نعرف لهم أقارب أحياناً ، عندنا في المشرحة حالياً (6) جثث قاربت على التحلّل لا نعرف كيف نرسلها إلى بلادها ؟ حتى السفارات ترفض إرسال هذه الجثث بالنسبة للمعروف منها ، فقبل أن نصل إلى هذا المدى كان بالإمكان الاستفادة من أعضاء هؤلاء الذين لا نعرف جنسية بعضهم . فأعتقد أن هذه المادة مهمة جداً وستعطي الحياة لمرضى في أشدّ الحاجة إليها وأطلب تأييد الإخوة لهذه المادة ” انتهى .

لا يخفى على أحد حجم معاناة المرضى بالفشل الكلوي ، وحاجتهم لزراعة الكلى ، وكيف أن حياتهم تتوقف ، أو تكاد ، ويقضون ما تبقى من أعمارهم على الغسيل الكلوي ( الديلزة ) من دون أن يروا تحرّكا رسمياً جاداً للوقوف معهم والحدّ من معاناتهم وإعادة البسمة إليهم وإلى أهاليهم وتزويدهم بأمل البقاء وممارسة الحياة بشكل طبيعي قائم على التزام حقيقي بالتكفل بمعالجتهم وزراعة كلى لهم أو على الأقل التزام بتفعيل قانون كان يُفترض سريانه منذ عشر سنوات لو طُبق خلالها لأصبح لدينا اليوم ثقافة مجتمعية تتفهم أهمية التبرع بالأعضاء البشرية وتشجع عليه وتكسر حاجز الخوف منه ، ولأصبح لدينا مركز أو مراكز لزراعة الكلى تحتفظ بقوائم انتظار كما في الدول المجاورة . ولأصبح لدينا نمط عام يتفهم قوله سبحانه وتعالى : ” ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعاً ” وغداً سأعرض قصة شاب بحريني أصيب مؤخراً بالفشل الكلوي ، قصة بر ووفاء ، وقصة حزن ومعاناة ، وقصة عوز وحاجة . ندعو المولى عز وجل أن يعيد هذا الشاب إلى حياته الطبيعية ويشق طريقه إلى مستقبله ، وقبل ذلك وبعده يجزيه على حسن برّه بوالديه.

أضف تعليق