راصد

إلغاء الدولة !

يرتبط مفهوم الدولة بمفاهيم عديدة لعل أهمها السيادة والشرعية ، وتنبثق منها المؤسسات القانونية والإدارية والاقتصادية وتستظل تحتها التنظيمات الاجتماعية والمدنية وسائر الوسائل الضرورية لإدامة الدولة والحفاظ على إنجازاتها ومكتسباتها ، وحماية أمنها واستقرارها وضمان تنميتها وتطوّرها، وتوفير المناخ الملائم لممارسة مواطنيها حياتهم بشكل طبيعي وفق ماتتطلبه أساسيات المواطنة الصالحة ، ويكون القانون في هذه الحالة كأقوي مظاهر التعبير عن سيادة الدولة وبسط سلطانها . والدولة – كما هي في كل مكان – يُفترض فيها أن تبسط سيادتها على كامل أراضيها وينضوي في منظومة الحقوق والواجبات جميع المواطنين والمقيمين عليها . وأن تمثل الدولة مصالحهم العامة وتنهض بقضاياهم ومشكلاتهم ، وتبعاً لذلك يجب إيلائها كل السلطات المقررة لها من أجل القيام بشتى واجباتها ومسؤولياتها وفق منظومة مترابطة من اللوائح والنظم والقوانين.

وإن التفسخ من سلطان الدولة ، تارة باسم الحرية وتارة بعنوان الاستقلالية وتارة بحجة عدم الثقة فيها وأخرى لضمان الحيادية ؛ إنما ذلك يُضعف أركانها ويُقلل من مركز مؤسساتها وتنظيماتها ويُفقدها هيبتها المطلوبة لتسيير البلاد وشؤون العباد . فعندنا إن حصلت أزمة ، أي أزمة – كبيع أراضي في المحرق أو تقارير البندر أو ما شابهها من أمور سابقة أو لاحقة – قال البعض : نريد لجنة تحقيق مستقلة ، وإذا اقتربت الانتخابات قال البعض : نريد إشرافاً قضائيا ، وإذا تحقق الإشراف القضائي قال هذا البعض : رقابة أهلية ، وإذا تحققت الرقابة الأهلية قالوا : رقابة خارجية . وإذا صدر قانون على خلاف التوافق مع الرغبة هددوا باللجوء للخارج .

عندنا ينظر البعض للحكومــة كإنما هي شـــيطان لايمكن أن يخرج عنها أي خير أو حســنة ولاتُستؤمن على لجان تحقيق أو لجان متابعة أو لجان رقابة أو لجان طواريء أو غيرها ، وتقاريرها فاقدة للنزاهة ولاترقى أحياناً كثيرة إلى الثقة . وعندنا ينظر البعض للحكومة كأنما هي كتلة من الفساد والمفسدين بينما معارضتها هي من أوصاف الملائــكة المنزّهين الذين لايخطئون ، ولايتجــاوزون الصــواب في أعمـــالهم ، ولايحيدون عن السلامة في أحكامهم.

من الظلم حقّاً أن نتهم الدولة دائماً بالخطأ والتجاوز والتقصير ، أو نشكك في مصداقيتها والثقة بها ، وأن نستمر في ذلك ماحيينا باعتبارها شيطان فقط لايستحق المدح والإطراء حتى لو ظهر منها مايستحق ذلك المدح والثناء . ومن يرى إنجازاً أو كسباً أو أي عملاً حققته الدولة فإن الثناء عليه والإشادة به يكون صاحبه في العادة منافق أو حمّال مباخر !

في الحقيقة لو أن هذا البعض قد أمسك بزمام الدولة في يوم ما ، واستلم مؤسساتها وتنظيماتها القانونية والإدارية ؛ سوف يسوءه جداً أن يخرج عليه هذا البعض – الذي كان في يوم ما جزء منه – بمثل هذه المطالب واللجان والطعن في القضاء والتهديد بالخارج، ولسوف يرفض ذلك رفضاً قاطعاً ويعتبره تكريساً لمفهوم إلغاء الدولة وتفريغها من بسط سيادتها وسلطانها ونفوذها .

أضف تعليق