أثار تقرير ديــوان الرقابــة الماليــة قصة غريبة حول السـياحة في مملكتنا الحبيبة ، هذه القصة قد تنال من جوهـر الحق الذي ما فتـأ يطالب به بعض التجار والمستثمرين ، ومعهم بعض الكتبة والصحفيين من ضرورة تشجيع السـياحة وضبط القرارات الخاصة بهذا القطاع الاستراتيجي ، والنأي بهذه الصناعة عن مختلف الضـغوطات التي تتدخل في الحريــات الشخصية والمسـلكية للسياح !! خاصة ضغوطات الـنواب والإسـلاميين .
هذه القصة قد تسبب- في تحليلاتها- إحراجاً بليغاً لأولئك وغيرهم الذين باتوا يضربون أخماساً في أسداس ويبكون خوفاً وحرصاً على الروافد التي ستخسرها التنمية الاقتصادية للدولة من جراء التضييق على السياحة مبينين أن هنالك عوائد كبرى ستفقدها ميزانية الدولة التي لابد وأن تكون مردودات السياحة من أهم مواردها ومداخيلها ، وغير ذلك من البكائيات والمناحات التي هي دموع على أشياء أخرى يعتري البعض الخجل من الإفصاح عنها وتسميتها بأسمائها .
هذه القصة تؤكد باختصار أن أكثر من( 75%) من المنشآت السياحية الموجودة في المملكة غير مرخصة !! وتذكر كذلك مشكلات جمة في التفتيش السياحي ومشكلات أكثر في تحصيل الإيرادات السياحية وضياع مبالغ تقدر بملايين الدنانير نتيجة ذلك و … إلى آخرها من الأمور والنواقص التي تحتاج إلى أضعاف مضاعفة من البكائيات والحسرات على الفقدان الحقيقي لعوائد التنمية الاقتصادية وتحتاج إلى فزعة كبرى من الكتاب والصحفيين والغرفة التجارية لاستنكار هذا الهدر في المردودات السياحية من ميزانية الدولة .
فذلك – لاشك – أوان ومكان الفزعات والاستنكارات الحقَة ، بدلاً من أن يظهر علينا البعض مؤخراً بمصطلحات غريبة وغامضة المقصد مثل التزمت الاجتماعي والتراجع الحضاري وتعطيل التنمية ، وذلك إبّان دفاعهم وتضامنهم مع بعض الفنادق التي تم إغلاقها بعدما خالفت تعليمات المؤسسة الرسمية بمنع بيع الخمور في شهر الله المبارك . على أن السؤال المثير للحيرة ؛ كيف تستمر في العمل أكثر من (75%) من منشآتنا السياحية في البحرين من دون ترخيص ؟ وماهي الإجراءات المتوقع اتخاذها بعد هذا الاكتشاف الفاضح لها في تقرير ديوان الرقابة المالية ؟ ولماذا – وهو الأهم – تجرأت هذه المنشآت السياحية على العمل على هذا النحو غير المرخص ؟!!
المعروف عندنا في البحرين – دولة المؤسسات والقانون- لو أن أحد المواطنين من ذوي الدخل المحدود أراد أن يمارس أي نشاط اقتصادي استثماري فيصبح خبَازاً أو بقالاً على سبيل المثال ، فإن عليه أن يستخرج سجلاً تجارياً يتم تجديد رخصته بشكل سنوي ومعها رسوم سنوية ، ورخصة أخرى للمكان من البلديــات ، وطبعاً برسوم أخرى ، وهذا الخباز أو البقال يكون حريصاً على التجديد السنوي لرخصته حتى لاتتضاعف عليه مبالغ التسديد السنوي للرسوم ، وهذا الخباز أو البقال لو أراد إجراء أي توسعة في محلَه أو مخبزه فإن أول مايُطلب منه في البلديات ووزارة الكهرباء إبراز رخصة سارية المفعول ، وهذا الخباز أو البقال لو أراد استقدام عامل واحد أو اثنين فإن أول مايُطلب منه في وزارة العمل إبراز رخصة سجلَه التجاري السارية المفعول ، بل قد يُطلب منه أيضاً إثبات عدد البحرينيين الذين وظفهم في خبَازه أو بقالته إسهاماً منه في حل مشكلة البطالة والبحرنة !! وهكذا ماينطبق على هذا الخباز والبقال ينطبق على ســائر الأفــراد من ذوي الدخـــل المـنكود من أصحاب دكاكين الشـــــاورما والسـمبوسة والمخللات و( الأشار ) والبوتيكات وغيرها من المحلات الصغيرة الذين ( يتعكزون) بها على زيادة فلس أو فلسين في مدخولاتهم وأرزاقهم البسيطة ، ويحرصون على استيفاء كافة الشروط والمتطلبات الدورية لاستمرار عمل دكاكينهم وبقالاتهم بعيداً عن عصا الغرامات وغيرها من العقوبات التي يبدوا أنها لاتعرف غيرهم وضلَت طريقها إلى ( 327) منشأة سياحية في البحرين غير مرخصة تشكل نسبة (75%) من مجموع المنشأت السياحية !! فهي – على خلاف الخبابيز والبقالات وتلك الدكاكين– بدون تجديد سنوي لها ، وبالتالي لا رسوم ، وتوسعاتها تتم دون أن يُسأل عن رخصها ، ويُستقدم عمالها دونما سؤال عن رخصة أو حتى مساهمة في البحرنة وعلاج البطالة .. وإياكم ثم إياكم أن تخدشوا هذا القطاع المدلَل بسوء فإن في التعرض له انهيار للاقتصاد وهروب للاستثمار وانتقاص من الحريات وإن مارس عمله بدون ترخيص ولم تتحصل ميزانية الدولة منه على إيرادات بالملايين ..