يُقال أن مسؤولاً عن منطقة بإحدى الدول العربية حضر مؤخراً لقاء مفتوحاً مع أهالي منطقته شارك فيه مدراء الإدارات الحكومية وأدباء وشعراء المنطقة ورجال الأعمال فيها ؛ في هذا اللقاء فاجأه أحد المواطنين بمداخلة على غير المعتاد في مثل هذه المناسبات التي غالباً ما تكون المداخلات والكلمات مصبوبة في قالب المدح والتزلّف ، سواء نثراً أو شعراً . ونقتبس هاهنا بعضاً مما قاله هذا المواطن مفاجئاً به الحفل بأكمله ، حيث قال :
( عندما نتشرف بلقائكم نرتدي أغلى الثياب، ونتضمخ بأزكى العطور ، وننتقي أجمل الكلمات لمدحكم ، والثناء على مجهوداتكم ، وبمجرد الغياب عن أنظاركم والابتعاد عن مدى سمعِكم ، تنقلب المدائح إلى ملحمات هجاء، ونبدأ في التذمر من رداءة المشاريع وسوء الخدمات . وعلماء الدين يقولون أن هذا نفاق ، وعلماء الاجتماع يقولون أن هذا إحباط اجتماعي ، وعلماء النفس يصنفونه كمرضٍ نفسي يسمى(ازدواج الشخصية) .
جميع المشاريع التي سبق الإعلان عنها ، وما سيتم في المستقبل ليس لها أي قيمة تحت وطأة الانهيار الإنساني ، والخلل الاجتماعي ، والفساد الإداري. فيجب أن نغير من طبائعنا حتى يتطابق سرّنا مع علننا. ويجب أن نتعاون للقضاء على الفساد لتصرف المبالغ المعتمدة على المشاريع المعلنة. وقد تولدت لدي قناعة بأن الصدق مع ولي الأمر هو قمة الوطنية وسنام الإنسانية .
فعندما قلتم أمام زعيم البلاد أن طرق المنطقة تماثل طرق أوروبا، سمعتم الكثير من الثناء ولكن الحقيقة أننا كنّا نقول في مجالسِنا أن هذا التصريح استخفاف بعقول أبناء المنطقة واحتقار لمشاعرهم ؛ صحيح أن طرق المنطقة تتفوق على طرق أوروبا في النفقات ولكنها تتفوق أيضاً على طرق جيبوتي في الحفر والمطبات .
أهالي المنطقة يتذمرون من سوء الخدمات الصحية ، ويكفي أن ننوه بأن ثلاجة الموتى في مستشفى المنطقة أكبر من قسم العناية المركزة .
صحيح أن المدارس انتشرت ، ولكن لا توجد مدرسة مثالية من المدارس الحكومية ، ويكفي أن تعلم يا …. أن المباني المدرسية المستلمة خلال العام الحالي أصبحت بحاجة إلى ترميم !! وهناك مبنى أعتمد له ثمانية ملايين صُرفت للمقاول الأول ونفذه المقاول العاشر بمليون وثلاثمائة ألف بعمالة مجهولة. وجامعتنا العملاقة لازال طلابها يتلقون محاضراتهم في الهناقر، وحجر الأساس الذي وضعه زعيم البلاد منذ عدة سنوات لا ندري أين اختفى .
وعندما تُسلب حقوقنا وتُهان كرامتنا من الجهات الحكومية المعنية، نتوجه إليكم بالشكوى طلباً للإنصاف ، ونفاجأ أن شكوانا أحيلت للجهة (الخصم) ليبرروا مواقفهم ويؤكدون لسموكم أننا كذابين( بالمشعاب) .
ونحن نعيش في صراع مع الشكوك التي تحاول أن تهيمن علينا لتثبت لنا أنكم على علم بما يُمارس علينا من إسقاطات على مدار الساعة ، ويرى الحفر والمطبات ويعلم عن المشاريع الوهمية والسرقات . إذا كانت الأموال التي تصرف هبات أو صدقات فلهم الحق بصرف ما يشاؤون والاحتفاظ بما يشاؤون. أما إذا كانت موارد وطنية مستحقة لكل من ينتمي لهذا الوطن، فلكل مواطن مطلق الحرية ليطالب بحقوقه ويحاسب كل من يتلاعب بها.
يا ….. لقد عشنا سنوات من الإهمال، وقذفنا بأبنائنا إلى غياهب الضياع، ونتمنى لأحفادنا بصيص أمل من السعادة المرتقبة في ظِل هذه المشاريع الجبارة. ونناشدكم يا …. العمل على تنقية الأجهزة الحكومية التي تتبع لكم من كل مختلس ومرتشي ، ومتكبر على عباد الله . فلن يعفيكم الله من المسئولية . ولن نعفو عن من أضاع حقوقنا وسلب أموالنا وتلاعب بمصالحنا ، ودمر مستقبل أبنائنا.
ثم ألقى هذه الأبيات من الشعر :
يا دايم السيـف أنيابٌ تمزقُنا وأصبح القط يلهو في حمى الأسدِ
وهل نقول لكـذابٍ صدقـت لنا ونترك الحقد يفني الناس بالبلـدِ
كرامة الناس جـزءٌ منكـمُ أفلا جعلتم الرأس مرفوعاً إلـى الأبـدِ
حسبنا الله وكفى…حسبنا الله ونعم الوكيل ) انتهت كلمة هذا المواطن في ذاك اللقاء المفتوح .
صدقوني أن الصدق مع ولي الأمر هو قمة الوطنية وسنام الإنسانية – مثلما قال – وأن أصل البلاء هو في الكذب والنفاق والمجاملات . أولياء الأمور في بلداننا في أمسّ الحاجة لمن يصدقهم القول عن أحوال المواطنين ومعيشتهم . الحكّام والمسؤولون حينما يزورون مناطق الناس لا يريدون من يقول لهم ( كل شيء تمام ) وإنما يحتاجون إلى من يرشدهم إلى مشاكل الناس ويطلعهم على حقيقة أوضاعهم ويُعرّفهم بأحوالهم لا أن تتحوّل هذه الزيارات إلى مناسبات وبهرجة وزينة إعلامية ومسابقات خطابية وشعرية تضيع فيها أنّات الناس وحاجاتهم .