هي شركة طيران ؛ عمرها يمتد لأكثر من خمسين عاماً ، بدايتها كانت خليجية ، لاحقتها الخسائر والانتكاسات طوال عقود عديدة ، لا يتذكر أحد من الناس أنه قرأ في يوم من الأيام شيئاً عن نجاحات أو أرباح لها ، تعاقبت عليها الإدارات التنفيذية تلو الإدارات ، وكلّما جاءت إدارة جديدة لعنت سابقتها وألقت بمسؤولية تعثّر الشركة عليها . وأغلب إداراتها التنفيذية من دول أجنبية ، وما أن يأتي مدير تنفيذي جديد من جنسية معينة حتى تتغير هوية غالب مسؤولي الشركة إلى ذات جنسيته حتى لا يشعر بالغربة بينهم ، وبعد أن ( يمصّوا دمها ) بعضهم يستقيل وبعضهم يُطرد وآخرين يهربون ويتركوا الشركة على (الحديدة) . هذه الشركة كادت أن تدخل في الموسوعات القياسية العالمية حينما سجلت خسائرها ما يقارب المليون دولار يومياً حتى تخلى عنها الشركاء وتحولت بعدها إلى شركة وطنية محلية .
انضمت حينئذ إلى شركة ” ممتلكات ” وهي الشركة الحكومية التي تدير مجموعة من الشركات والمؤسسات التجارية . في الحقيقة منذ ذلك الحين ، أي منذ صارت في رحاب ” ممتلكات ” لو قدّر لأحد أن يحصي أكثر الشركات والمؤسسات استخداماً لمفردات معينة مثل ” خطة ” أو ” استراتيجية ” خلال السنوات القليلة الماضية فسيكتشف فوز طائرنا الميمون بهذا اللقب ، وبلا منازع حتى أنه صار من النادر أن يخرج مسؤول منها أو من الشركة التي تديرها ” ممتلكات ” بتصريح أو لقاء صحفي من دون أن تجد لفظ ” خطة ” أو ” استراتيجية ” قد تكررت داخله مرات ومرات بحيث أنها أفرغتها من معناها وجعلت استخدامها – ربما – مدعاة للضحك والاستهزاء خاصة وأنه لا تغيير ولا نهوض وطبعاً خانة الخسائر تزيد ولا تنقص ..
هذا الطائر صار ينتقل من فشل إلى فشل ، في أعماله كما في إنجازاته رغم إن إنشاء شركة طيران هو مشروع ناجح في حد ذاته بحسب المقاييس التجارية وحسب معطيات السوق الإقليمية والدولية ، ولا أدلّ على ذلك من تنامي قيام شركات طيران في مختلف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية . بل إن بعض هذه الدول تأسست فيها في غضون السنوات القليلة الماضية أكثر من شركة طيران ، وجميعها شركات لم نسمع عن خسائر أو عجوزات فيها كتلك التي نقرأها بالنسبة لطائرنا الميمون الذي يبدو أن الفشل والخسارة صارت قدراً محتوماً يلاحقه أينما وكيفما حلّ وارتحل حتى أن آخر أخبار التمسّك بهذا الطائر رغم خسائره المليونية هو نيّة تخلّي ” ممتلكات ” عنه بعدما لم تنفع في علاجه مباضع الجراحين ومقصّاتهم ومشارطهم على اختلاف مهاراتهم وتعدد جنسياتهم وتوالي الإدارات والرئاسات التنفيذية عليه.
وعلى العموم ، ومهما حصل ، وما دمنا لا نعرف في الاقتصاد ، ولا نفقه في منطق الأشياء ؛ نرجو ألاّ يخرج علينا أحد فيضيف هذه الشركة ذات الخسائر المليونية إلى أخواتها من المشروعات التي يقولون عنها أنها ذات مردودات اقتصادية أو ذات عوائد غير مباشرة حتى لو تآكل رأسمالها وتضاعفت أرقام خسائرها واصطفت إخفاقاتها في خانة المـلايين ممن تشــير تقاريرها إلى مفــردات من أمثــال : ( خســارة ) أو ( عجــز ) أو ( ديون ) خاصة تلك التي ظنّ الناس أن أبواباً من الرزق والخيرات ستنهال عليهم بسببها ؛ لكنها ما أن تُطبق أو تُنفذ حتى يتغير الكلام عنها وتنتشر الدعوة لانتظار عائد ومردود سيأتي في يوم ما نخشى أن يصطدم الجميع في ذاك اليوم بأنه كالســراب الذي كلما اقتربنا منه لم نجده شيئاً ؟ مسكين هذا الطائر .. المكسور .