لا تزال سلسلة العفن والفضائح تتوالى في أجهزة صناعة القرار الأمريكي بشان خطأ غزوهم للعراق ، فبعدما صرّح رئيس طاقم التفتيش الأمريكي السابق في العراق ، ديفيد كاي بأن ” الجميع مخطيء فيما يتعلق بأسلحة العراق يخرج علينا جورج تينت مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق CIA. ينفي بشكل قاطع استنتاج التحليلات الاستخباراتية من أن نظام الرئيس العراقي المخلوع، صدام حسين، كان يمثل تهديداً وشيكا. ويذكر مدير CIA السابق مؤخراً في كلمة بجامعة “جورج تاون” دقة تقارير أجهزة الاستخبارات الأمريكية حول أسلحة العراق المحظورة، والتي استندت عليها الإدارة الأمريكية كمبرر رئيسي لغزو العراق والإطاحة بنظامه حيث يقول عن تلك التقارير : ” لم يشيروا البتة إلى تهديدات وشيكة ” ودافع تينت عن وكالة الاستخبارات الأمريكية حتى لا تكون كبش فداء في الأزمة الناشبة بين الجمهوريين و الديمقراطيين الذين بدأوا يطالبون بتحقيقات مستقلّة بشأن مزاعم الإدارة الأمريكية ( آنذاك) لشن ضربة وقائية ومسببات غزو العراق .
هكذا بكل بساطة تظهر لنا تصريحات واعترافات لا أوّل لها ولا آخر بأن غزو العراق إنما كان خطأ وغير مبرّر حتى أن الرئيس الأمريكي نفسه اعترف بالإخفاق في العثور على أسلحة العراق التي كانوا يتكلّمون عنها ويبرّرون غزو العراق بسببها ؟!
وحده شعب العراق المسكين يدفع الفواتير الباهظة لهذا الخطأ ، يدفعها قتلاً وذبحاً في أبنائه ، ويدفعها جوعاً ومرضاً كما يدفعها تشريداً وتهجيراً مستمراً ، ويدفعها من قوت أجياله القادمة كما يدفعها من أفواه الآلاف من أطفاله وشبابه ونسائه وشيوخه الذين ظنّت عليهم أرض العرب والمسلمين بالنصرة والدعم وانتشالهم من البؤس والمذابح والفتك الذي ليس لأحد مصلحة في بقائه سوى الشذاذ والغرباء من أعدائنا الذين لم يمنعهم الحياء اليوم من الاعتراف بخطأ غزوهم للعراق . كأنما الأمر نزهة أو نزوة تم قضاؤها دونما اعتبار لتوقف مسيرة العراق وانقسام أبنائه ، وصار شعبه أسيراً في أرضه وعرضة للمزايدات والسمسرة ومجالاً مفتوحاً لتجوال وقصف وعربدة طائرات الاحتلال .
في يوم من الأيام – عاجلاً أم آجلاً – سيلتفت أبنـاء العراق إلى أطلال وقبور آبائهم وأجـدادهم وسيرون على شـواهدها نتائج ذاك الخطأ الاستراتيجي ونزع من بين أيــاديهم أعزائهم وفلذات أكبـادهم واستكثر عليهم حتى الاستفادة من ثروات عراقهم وخيراته . وسيذكرون مع ذلك تخلّي العرب والمسلمين عنهم ووقوفهم في صفوف المتفرّجين عليهم . ويومها لا ندري ، ماذا سيكون انتقامه وردّ فعله ؟!