لاحاجة لي للمقارنة بين كيفية تمسّك الآخرين بلغتهم الوطنية وحرصهم على أن تكون هي لغة التعامل والخطابة في شتى مناسباتهم وممارستهم لشؤون حياتهم ومهامهم الرسمية وغير الرسمية عند سفرهم إلى خارج بلدانهم وبين ما يحصل عندنا في هذا الشأن . وليس من المتصوّر أن تجرأ أو أن يكون في مقدور أي مؤسسة ما في بريطانيا أو أمريكا أو اليابان أو فرنسا أو الصين أو روسيا أو استراليا أو غيرها أن تخالف تعاملاتهم وخطاباتهم لغتهم الأم أو تقدّم عليها لغة أخرى ، ومهما حصل فإنها لاتلغي لغتها أو تأخرها ولايمكن أن تنفكّ الصلة بلغتهم الرسمية والوطنية . فلغات الشعوب محل صيانة واعتزاز وافتخار ، تعبّر عن هويتهم وثقافتهم ، وفيها بصمات ماضيهم وتراثهم لايصحّ أن تتنازل عنها أو تنهزم أمام لغات أخرى في موطنها وداخل مؤسساتها .
لقد كان أمراً محزناً ومبعثاً على الاستغراب أن تكون اللغة العربية بعيدة وغائبة في حفل تخريج الفوج الأول من طلبة الكلية الملكية الإيرلندية الذي جرى يوم أمس ؛ فقد نتفهم أن تكون لغة الدراسة والتحصيل العلمي هي اللغة الانجليزية ، باعتبارها اليوم – للأسف الشديد – هي لغة العلم بالرغم من بكائية شاعر النيل حافظ إبراهيم عليها في قصيدته الشهيرة :
وقد يكون مقبولاً – على مضض – أن تكون المخاطبات والمراسلات والاستمارات والشهادات جميعها داخل هذه الكلية باللغة الانجليزية ، وقد يكون مقبولاً ومفهوماً أن تكون الكثير من الممارسات لعدد من الشركات والبنوك والمؤسسات وما سواها قد تنازلت عن اللغة العربية وأفسحت المراتب الأولى للغة الانجليزية بما هو الغالب والمعمول به الذي لايثير حفيظة أحد ولايستفز دعاة العروبة وحماتها . غير أن يكون حفل تخريج الطلبة – وغالبهم إن لم يكن جميعهم بحرينيين- باللغة الانجليزية ، تقديماً وكلمات واستعراضاً دون أن يكون للعربية موطئاً يليق بها في هذا الحفل البحريني الخالص ، فذلك مما يثير الاستغراب ويدعونا بالفعل لاستنكاره وتوجيه اللوم لمنظميه ومطالبتهم باحترام لغتنا وتقديرها ، فذاك الحفل لاعلاقة له بمصطلحات علمية وطبية لايوجد لها مرادفها في لغتنا العربية فيُصار إلى اللجوء لغيرها .