في ظل هذا الحشد الدولي ضد الإرهاب والتكالب الفظيع على ضرب ما يسمى المنظمات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي ، يتبادر السؤال : هل ستقوم أمريكا بتوجيه ضربة إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي أو حركة التاميل بسريلانكا أو منظمة إيتا بأسبانيا أو غيرها من المنظمات الإرهابية ممن ليست في نطاق العالم العربي والإسلامي ؟! وإذا كانت أمريكا في حربها الجديدة ضد الإرهاب ما فتأت تردد أن لاعلاقة للإرهاب بوطن أو دين أو جنس فلماذا اقتصر تجميد الأموال على شخوص ومنظمات وجماعات بعينها في العالم العربي والإسلامي دون غيرهم من بقية أنحاء العالم ؟ وإذا كانت أمريكا تعلن أن حملتها لمكافحتها الإرهاب عالمية فلماذا أسلمتها وحصرها في ديار العروبة والإسلام ؟! وإذا كانت أمريكا جادّة على هذا النحو لاجتثاث الإرهاب وإزالة شأفته وإراحة العالم منه فلماذا تستثني إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل على مرأى ومســمع العالم بأجمعه تجاه إخواننا في فلسطين ، بل وتباركه وتوزع عليه الهبات والأراضي وتمنحه الوعود والمواثيق ؟! وإذا كانت أمريكا هي الخصم والحكم ، فلماذا يغض العالم الطرف عن هذه الازدواجية في المعايير؟!
إن من الوهم الاعتقاد أن العقلية الاستعمارية قد ولّت إلى غير رجعة أو أنها قد انتهت من عالم اليوم ، بل هي لازالت حاضرة وتتحكم في كثير من الأحداث والتغييرات في هذا العالم تحت مسميات عدة منها المساعدات الاقتصادية وتغيير المناهج ومشروعات الشرق أوسطية وأخطرها الشرعية الدولية التي صارت لباساً لاتجيد تفصيله إلا أمريكا والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، فباسم الشرعية الدولية كانوا يحاصرون العراق ويموت أبناؤه وأطفاله جوعاً ومرضاً ، وباسم الشرعية الدولية تفرض عقوبات على ليبيا والسودان وإيران ، وباسم الشرعية الدولية تضرب أفغانستان وتحتل العراق وتهدد سوريا وتفرض مناهج وبرامج و… إلخ
في الوقت ذاته تغيب هذه الشرعية الدولية أو يتم تغيبها من قبل نفس الخياطين ( أمريكا والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ) إهمالأً أو عنوة باستخدام مايسمى حق النقض (الفيتو ) حينما يتعلق الأمر حتى بمجرد إدانة لإسرائيل وليس عقوبات أو حصارات أو ضربات إزاء الممارسات الإجرامية والإرهابية التي تقوم بها ليل نهار في فلسطين !
أوليس من حق الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية أن تتخوّف أو تتساءل عن حدود وجغرافية هذه العدالة أو الحرية التي أسمتها أمريكا (مطلقة ) فتطالب كحق شرعي ومنطقي لها بأن تكون الموازين واحدة والمعايير متسـاوية وبالتالي تكون الصورة معتدلة وليست مجتزئة أو مقلوبة ؟!
رغم التواطؤ والعداء الأمريكي الواضح للحقوق العربية ، ورغم الانحياز الأمريكي للصهاينة في عدوانهم على العرب وسلبهم لأراضيهم وديارهم وملاحقتهم وسفك دمائهم .. فإن العرب على المستوى الرسمي مازالوا يأملون في أمريكا خيراً ، ويرون فيها منقذاً ، وينتظرون منها عدلاً وإنصافاً !
إن الإصرار العربي الرسمي على اتخاذ هذا الموقف من السياسة الأمريكية المعادية للعرب والمنحازة بوضوح للكيان الصهيوني الغاصب أمر يثير العجب ويدعو للقلق ، خاصة وإنهم يغضون الطرف عن كل الوسائل والمخارج الكفيلة برد اعتبارهم وتحرير قرارهم وإرادتهم ، ولا يرون لهم سبيلاُ سوى التوجه للتسوّل أمام ساحات البيت الأبيض وانتظار العدالة أمام أبوابه ، وهي العدالة التي لن تأتي أبداً ، ولن نحتاج إلى سرد أمثلة وبراهين على هذه العدالة التي هي كالسراب الذي يلاحقه بعض القادة والحكام العرب رغم يقينهم أنها مجرد ملهاة انتهى وقت خداع الشعوب بها وفقدت رونقها وحيويتها .